رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

يتطلع كثيرون من أهل المعمورة إلي توقف الصراع الروسي الأوكراني، فقد اكتوت الدنيا بأسرها بتأثيراته السلبية وحصاده المر.

وقد بات واضحا لكل العيان أن هناك من يسكب المزيد من الزيت علي النار المستعرة والصراع المتصاعد ، ولا يلتفت لما يجنيه العالم بأسره من تأثيرات سلبية ومزيد من الخسائر والأزمات.

ويبدو أن الحرب لن تضع اوزارها قريبا مع إصرار معسكر الغرب علي استنزاف موسكو وجرها لحرب طويلة الأمد، ومايقابله من صلف روسي ورفض المصالحة وحسم النزاع إلا بشروط وتعهدات صعبة!.

وجاء تدمير سد "كاخوفكا" في أوكرانيا الاسبوع الماضي يوم 6 يونيو من هذا الشهر ، مؤشرا صادما لتطور الصراع دون أية حسابات سياسية دقيقة، فتفجير السدود والمحاور وتدمير البنية التحتية في الحروب ، استراتيجية خبيثة هدفها هدم الروح المعنوية، والتلويح لاستخدام أسلحة أكثر فتكا ودمارا.
كما أنها تفتقد لاعتبارات إنسانية وأخلاقية علي محاور عديدة وحصادها المتوقع المزيد من الفرقة، وتوسعة الخلافات والفجوات وزرع الشقاق بين الفرقاء وأطراف النزاع، ولا عزاء للضمائر الإنسانية المتيقظة.

يقع السد المدمر على نهر "دنيبر" في إقليم خيرسون ، وقد سيطر الجيش الروسي عليه في فبراير 2022، في الأيام الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا، وكان تحت سيطرته وقت تدميره. وألقت السلطات الروسية باللوم في تدمير السد على القصف الأوكراني، بينما اتهمت أوكرانيا وحلفاؤها القوات الروسية بتفجير السد لعرقلة هجوم أوكراني مضاد كان مخططا له، مدججا بالأسلحة الثقيلة والمدرعات والدبابات المتطورة.

وبعيدا عن الاتهامات المتبادلة بين طرفي النزاع في روسيا وأوكرانيا ، عن مسؤلية ضرب سد كاخوفكا.. وتفريغ خزانه الذي يزيد عن 18 مليار م مكعب، فإن استراتيجية تدمير السدود والممرات المائية كانت نهجا مشتركا للفريقين المتصارعين، دون إدراك للعواقب الوخيمة ،ففكرة تدمير البنية التحتية تعبير عن الوجه القبيح لهذه الحرب الخبيثة ومؤشر لانهيار ما بقي من قيم ومواثيق دولية تجرم المساس بمشروعات البنية التحتية، أو الإضرار بالمناطق المدنية، لكنها عقيدة الحرب الضروس والقناعات الفاسدة التي تأكل الأخضر واليابس، ولاتعرف الهدنة، وتتنصل يوما بعد يوما من كافة القيم الإنسانية والاعتبارات الأخلاقية.

ووفقا للاتهامات الأوكرانية على الأقل، فإن موسكو لجأت إلى تكتيك قصف السدود المائية، وكان المثال الأشهر عليها قصف سد مائي على نهر "إنهولتس" في مدينة كريفيريه بـ 8 صواريخ.

كما أعلنت روسيا صراحة من خلال حاكمها على إقليم القرم "سيرجي أكسينوف"؛ تفجير سد قناة القرم المائية في فبراير من العام الماضي، ضمن الخطوات الأولى للحرب، بهدف إعادة المياه إلى القرم التي عانت مشاكل مائية كبرى بعد قطع أوكرانيا عنها شريان الحياة المتمثل بقناتها المائية، ردا على إعلان ضم روسيا للقرم عقب ثورة الكرامة الأوكرانية عام 2014 التي أطاحت برئيس أوكرانيا ورجل روسيا القوي "فيكتور يانكوفيتش".

وعلي الجانب الآخر قصفت أوكرانيا جسورا مائية صغيرة لإعاقة التقدم الروسي في الجنوب في الأشهر الأولى للحرب التي انتهت باحتلال "خيرسون" ومناطق في محيط "ميكولايف" وكادت أن تتجاوزها إلى "أوديسا".

وعند الحديث عن سد دمار "كاخوفكا"، فكل المعطيات تؤكد حتمية الخسارة للطرفين معا لا لطرف واحد، فالكارثة البيئية ذات تكلفة باهظة جدا على الزراعة والمستوطنات السكنية.

وقد أحدث تدمير "كاخوفكا" فيضانات واسعة النطاق، أدى إلى إجلاء الآلاف من السكان في اتجاه مجرى النهر، حيث غمرت الفيضانات عدة قرى في المناطق الخاضعة للسيطرة الأوكرانية والروسية. ويهدد فقدان المياه في خزان السد إمدادات المياه لشبه جزيرة القرم ومحطة "زاباروجيا " للطاقة النووية" التي تسيطر عليها روسيا، والتي تستهلك نحو 500 ألف لتر من الماء في عمليات التبريد كل ساعة!
هذا فضلا عن خسارة مورد مهم جدا للطاقة الكهربائية في جنوب أوكرانيا يدر الملايين على البلاد، والخسارة على الجانب الذي تسيطر عليه روسيا أكثر ضررا؛ إذ أن هذا الجانب أكثر انخفاضا وتأثرا بالفيضانات، وتبقى الخسارة الأكبر هي خسارة المياه عن جزيرة القرم وهو ما يعيد شبح التصحر الذي واجهته شبه الجزيرة في السنوات الثماني التي سبقت الحرب.

ومن بين ما سببه تدمير السد فيضانات في مساحات شاسعة، وتهديد حياة مئات الآلاف مابين النزوح والتشرد، وقد كان الخزان الذي يتم تجفيفه الآن أحد أكبر الخزانات في أوكرانيا، من المتوقع أن تغمر المياه ما بين 35 إلى 80 مستوطنة وبلدة وقرية.

كما حذرت تقارير أممية من تفاقم أزمة الجوع والغذاء عالميا، وهناك مخاوف من تسرب النفط والمواد الكيميائية إلى قنوات النهر، علاوة علي جملة التأثيرات البيئية والصحية الضارة وتدمير النظم الطبيعية أسفل مياه نهر السد، بما في ذلك محمية المحيط الحيوي في البحر الأسود ومنتزه "أوليشكي ساندز" الوطني الطبيعي، ونفوق مئات الحيوان في حديقة حيوان "نوفا كاخوفكا".
ويري البعض بوجود مصالح لهذا الطرف أو ذاك في دمار السد، كإحداث مشاكل مائية وإنسانية تشغل السلطات الروسية في القرم أو الأوكرانية في خيرسون، أو الحديث عن إعاقة الهجوم الأوكراني المضاد المنتظر جنوبا ومنع تلك القوات من عبور النهر، أو جرف الألغام التي زرعت على أطرافه، إلى غير ذلك من الأسباب.

ووفقا لتقارير عديدة فإن كارثة تدمير سد "كاخوفكا" في خيرسون، شكلت انتكاسة جديدة لكييف، قد تحمل آثار مؤلمة لعشرات السنين وعواقب عميقة وبعيدة المدى، حيث وصفها الرئيس فولوديمير زيلينسكي بأنه "قنبلة بيئية للدمار الشامل"،
في بلد لم تنس ذاكرة سكانه بعد كارثة تشيرنوبل النووية المروعة!.

والخلاصة أن مؤشرات الحاضر والمستقبل تؤكد أن الجميع خاسرون في هذه الحرب الخبيثة ، ويجب أن يستمع الطرفان لدعوات التعقل والحكمة وإيجاد حد لهذه الحرب، والتي تديرها أطراف من خلف الكواليس لتغيير الخريطة الأممية وخلق نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب والمصالح.

كما أن فكرة الحصار الاقتصادي وفرض العقوبات وتجفيف منابع الحياة، لن تقودنا إلا لهدم المزيد من بقايا القيم الإنسانية الجريحة، ولله الأمر من قبل ومن بعد !.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة