من الألف إلى الياء
قضية التغيرات المناخية أمست قضية وجودية لها أبعاد أممية وإقليمية،وآثار اجتماعية واقتصادية وبيئية ضارة وموجعة،تتفاقم خطورتها مع مرور الوقت، مع انشغال دول العالم بالصراعات ،والأزمات والسعي لتشكيل خريطة جديدة لدنيا المعمورة ،ونظام عالمي مغاير!.
إنها جريمة الدول الصناعية الكبرى،نتيجة الإصرار علي التصنيع الكثيف، والاستخفاف بتوصيات اتفاقيات البيئة والمناخ ،ويدفع ثمنها الباهظ صغار الدول النامية،ودول الاقتصادات الناشئة، الطامحة لتنمية حقيقية بلا منغصات أو معوقات.
ووفقا للقانون الأزلي الإلهي فلابد أن يشهد ويتذوق أهل الأرض حصاد أفعالهم ،والتداعيات المؤلمة للطغيان والاعتداء على البيئة الإنسانية،والاخلال بالتوازن الكوني الطبيعي.
ولعل ظاهرة جفاف أنهار أوروبا العام الماضي ،واختلال أحزمة المطر وتراجعها كانت النموذج الأسوء لهذا الحصاد المر، بعد أن ظهرت أحجار الجوع التي دون عليها تاريخ موجات الجفاف نتيجة لانحسار المياه العذبة في فترات سابقة من تاريخ القارة العجوز!.
ومنذ عدة أسابيع تفاقمت مشكلة قنا "بنما"،الممر الإلزامي لـ6% من حركة الملاحة التجارية العالمية بين المحيطين الأطلسي والهادي ،وتخدم بشكل أساسي الولايات المتحدة والصين واليابان.
وبدأت العديد من شركات الشحن والنقل العالمية في إعادة حساباتها ،نتيجة لتراجع حجم غاطس السفن المسموح لها بعبور قناة "بنما" دون أية مشكلات ملاحية.
وفي عام 2019 ، انطلق الإنذار لأول مرة ، بعد تراجع منسوب المياه بالقناة إلي 3 مليارات متر مكعب فقط من المياه العذبة ، بينما تحتاج إلى أكثر من 5 مليارات لتشغيلها بكامل طاقتها الاستيعابية.
ومنذ ذلك الحين ، تخشى السلطات البنمية أن يبحث أصحاب السفن عن طرق أخرى بسبب عدم اليقين بشأن إمكانية الإبحار عبر القناة ،حيث يهدّد الجفاف حركة النقل البحري.
وتعتمد القناة علي بحيرتين اصطناعيتان، هما " ألاخويلا وجاتن"، تمدان القناة بالمياه اللازمة لتشغيل بوابات التحكّم بمرور المياه والسفن، لكن مستواهما انخفض بشكل كبير بسبب الجفاف.
وتوفّر البحيرتان المياه التي تسمح بتشغيل البوابات الضخمة لمرور المياه التي ترفع السفن، من جانبَي الهادئ والأطلسي، إلى مستوى القناة، أو تنزل بها إلى مستوى المحيطين، ومع كلّ مرور سفينة، يُصرّف نحو 200 مليون لتر من المياه العذبة في البحر.
ولم يعد بإمكان السفن من فئة "نيوبنماكس"، والتي يزيد طول غاطسها عن 15 مترا المرور،حيث عانت القناة من "نقص في المتساقطات مثل باقي أنحاء البلاد ضمن الحدود الطبيعية لموسم الجفاف" المداري.
وبالعودة قليلا لتاريخ القناة ،فقد افتتحت رسميا يوم 14 أغسطس1914،وصنفت من أهم الإنجازات الهندسية في العالم.
وتعد بوابة ومركزا رئيسيا للنقل التجاري والعسكري في العالم ، تصل بين الأميركيتين الشمالية والجنوبية، ويبلغ طولها 77 كيلومترا، وتمتد من خليج "ليمون" في المحيط الأطلسي إلى خليج بنما على المحيط الهادي، ويبلغ أضيق جزء من القناة في معبر "جيلارد" ويبلغ 150 مترا، وأوسع جزء منها يقع في بحيرة "جاتن" 422 كم مربع.
وقد وقعت الولايات المتحدة معاهدة مع بنما لإنجاز المشروع ابتداء من العام 1902 وبلغت تكلفته 380 مليون دولارا.
وبعد ما يقرب من 85 عاما من السيطرة الأميركية على إدارة بنما، انتقلت إدارتها إلى لجنة مشتركة أميركية بنمية عام 1979، ثم تسلمت بنما إدارتها نهائيا في 31 ديسمبر 1999.
ويتراوح الوقت الذي تستغرقه السفن لعبور القناه ما بين 8-10 ساعات، عبر ثلاثة محابس مائية يطلق عليها "أهوسة"، وتعني سلما مائيا، تمر عليه السفن الضخمة بانسيابية، عندما يكون هناك اختلاف بين منسوب المياه بالمنطقة التي تمر بها السفينة.
وقد عمدت السلطات البنمية عامي 1998 و2015 إلى خفض حجم السفن العملاقة المسموح لها بالمرور بالقناة بسبب ظروف التغيرات المناخية التي أدت إلى خفض مستويات المياه، وأثرت على نحو 20 % من حجم حركة القناة.
ويري بعض المحللين أن مصائب قوم عند قوم فوائد ، فمن المتوقع أن مصر ستكون الرابح الأكبر نتيجة تحويل إعداد كبيرة من سفن الحاويات العملاقة ، لمسارها عبر قناة السويس ،تجنبا للمزيد من الخسائر.
ومن نافلة القول أن بلادنا تسعي للتنمية والشراكات الاقتصادية الفاعلة وتطوير منطقة قناة السويس ،بإقامة مناطق لوجستية ومراكز تجارية متنوعة ، علاوة علي تطوير وتحديث كافة المحاور التجارية والموانئ البحرية ،في إطار المنفعة الانسانية العامة ،ولاتنظر أبدا لنكبات وتعثرات الآخرين.
وفي تقديري إن مؤشرات التأثيرات السلبية للتغير المناخي ،تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بضرورة تفعيل الاتفاقيات الدولية، بداية من ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، ومرور باتفاقية المناخ الإطارية بقمة باريس عام 2015، وانتهاء بقمة COP27 بشرم الشيخ 2022، حيث تقرر خلالها إقرار إنشاء صندوق الخسائر والأضرار لتعويض الدول النامية، عن خسائرها بسبب التغيرات المناخية ،كما تم توقيع اتفاقيات في استثمارات الطاقة الخضراء المتجددة،وتوقيع أكثر من 20 مذكرة تفاهم لمشروعات الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بقيمة استثمارات تجاوزت 80 مليار دولار.
كما أتصور ضرورة التوصل لحلول فاعلة وملزمة للاعتماد علي الطاقة النظيفة وتقليص الاعتماد علي الطاقة الأحفورية ،مع إيجاد آلية عبر مؤسسات الأمم المتحدة المعنية لإلزام الدول الصناعية الكبري بتحمل مسؤولياتها التاريخية عن ظواهر الاحتباس الحراري وتزايد معدلات الانبعاثات الكربونية ،الغازات السامة.
ويجب اليقين بأن مجرد إبداء حسن النوايا لا يقدم ولا يؤخر في ملف هذه القضية المصيرية شيئا،فممارسات الواقع تؤكد أن الدول الكبري المنوط بها تحمل تكلفة علاج الآثار البيئية للتغيرات، تتنصل دائما ،ولا تفي بوعودها ، وأحيانا تقدم الفتات بما لا يفي بإيجاد حلول عملية وناجعة لهذه الظاهرة.
ولم يعد خافيا أن مسؤولية حماية الأرض والكون تتطلب شراكة أممية فاعلة ،تعزز جهود الحكومات والشعوب والمنظمات الدولية ،قبل فوات الآوان!.