رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طيب القول



توارثنا مُنذ عقودٍ إرثًا وثقافةً شعبيةً تتعلّق بأحد المراحل التعليمية المهمّة والتى يكاد يرتبط بها مصيرُ أبنائنا، بل رُبما مصير الأُسرة والعائلة بأكملها، فتحوَّل هذا الإرثُ وتلك الثقافة إلى ما يشبه "العقيدة الشعبيّة" التى صارت فيما بعد "مسألة حياة أو موت"، وبالتالى صار كل أفراد البيت وكأنهم جنود فى ساحة المعركة مع "بُعْبُع" الثانوية!
وخلال أيام قلائل تبدأ أولى فصول وحلقات هذه المعركة، حيث تتحوّل البيوت إلى "ثُكنات عسكريّة" بكلِّ ما تعنيه الكلمة، فلا حديث ولا صوت ولا اهتمام يعلو فوق "توفير كل الإمكانات والمتطلّبات" لهذا الجندى المرابط على ثَغْرِ الامتحانات!
وإن كانت هذه الاستعدادات والتجهيزات والتأَهُّبَات كلّها مطلوبة لاجتياز المرحلة بما يتمنّاه الجميع، إلا أنها فى ذات الوقت تَبُثُّ الرهبةَ والفزعَ فى نفس وقلب "الطالب الجندى" فتجعله مهزوزا ومُضّطربا من الإخفاق أو التراجع وعدم تحقيق المُراد والآمال التى بُنِيَت عليه! فنُفاجأ بعدد ليس بالقليل من الطلبة المتفوّقين والنابهين ليسوا فى الصفوف الأولى من الناجحين! وهنا تكون الطامّة الكبرى والكارثة العُظمى بالنسبة لأُسرتِه، التى ربما تصل لما لا يُحْمَد عُقباه من كوارث انتحار وغيرها!
كل هذا القَلَق والتَحَفُّز أمرٌ مشروع، وقد يكون مُستَحبًّا، سواء كان من قِبل الطالب أو أُسْرَته، طالما كان فى حدود المعقول والمقبول، أمّا المُغالاة والتَزَيُّد فيُحيل حياةَ الأُسرة جميعا إلى "كابوسٍ" مُرعِب، وربّما إلى حدِّ التفكُّك! وهذا شأن أىُّ سلوك أو تصرّف يخرج عن مساره الوسطى المعتدل، بالإفراط أو التفريط، فالاعتدال هو ما أُمِرْنَا به دينًا وعقلًا "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا" البقرة: 143.
والحلُّ بكلِّ بَسَاطة، أن يبذل الطالبُ كلَّ ما بوسْعِه وإمكاناته فى المذاكرة والتحصيل والتركيز، والقراءة المُتَأَنِّيَّة للأسئلة، ثم يبدأ الإجابة بـ"رَوِيِّةٍ وتَأَنٍّ". وكذا تقوم الأُسرةُ بدورها فى تهيئة الجو المناسب وتوفير المتطلبات- حسب إمكاناتها- ثم يكون التوكُّل على الله هو الأساس لجميع الأطراف، ويكفى أن سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بشَّر أبناءنا وكلَّ طالبِ علمٍ، بالتيسير والتوفيق فى الدنيا والآخرة، حيث يقول: "مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ، وإنَّ العالِم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ، حتَّى الحيتانِ في الماءِ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ".
وعلى الدولة والمنوط بهم أمرَ التعليم، توفير المناخ الجيّد والهادئ لإتمام مرحلة الامتحانات بكلِّ هدوءٍ ويُسْرٍ، والسعى الحثيث لإنشاء وافتتاح المزيد من الجامعات والمعاهد العلميّة المتخصّصة فى كلِّ المحافظات، لاستيعاب أكبر عددٍ ممكن من أبنائنا وبناتنا.
وقبل هذا، إعطاء المزيد من الاهتمام والتركيز على التوسُّع فى التعليم المِهنى والمتخصّص والتكنولوجى، فهذا هو قاطرة التنميّة الحقيقيّة للانطلاق نحو "الجمهوريّة الجديدة" بفِكْرِ وسواعدِ كل أبناء الوطن، خاصّة وأن أبناء الجيل الجديد لهم ثقافتهم وأدواتهم الحديثة والتى يمتلكون ناصِيَتِها ببراعةٍ.
وفى النهاية، كلُّ شخصٍ مُيَسَّر لما خُلِقَ له، ولن يكون إلا ما أراده الخالق عزَّ وجلَّ. وبالتوفيق الدّائم لكلِّ أبنائنا وبناتنا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة