عيون الشعب
من حسن حظي .. أن جاء بالصدفة مكتب الكاتب الصحفى الكبير الاستاذ محسن محمد رئيس مجلس إدارة وتحرير الجمهورية الأسبق عند عودته للجمهورية كاتبا متفرغا .. الى جوار مكتبى بالدور التاسع بالمبنى الجديد بشارع رمسيس .. وهو المبنى الذى أقامه الكاتب الصحفى الكبير الاستاذ سمير رجب رئيس مجلس إدارة وتحرير الجمهورية الأسبق .. وجدتها فرصة ساقها لى القدر ان اذهب الى الاستاذ محسن محمد واجلس معه يوميا .. وكان لا يفصل بينه وبينى سوى مكتب اللواء سامح سيف اليزل رئيس مركز الجمهورية للدراسات الاستراتيجية والابحاث الأمنية .. وهو اول مركز من نوعه فى الجمهورية .. أقامه الكاتب الصحفى الكبير على هاشم خلال فترة رئاسته لمجلس إدارة الجمهورية .. وقد توليت منصب نائب رئيس هذا المركز بالاضافة إلى عملى بالجمهورية .. كان الحوار يمتد مع الاستاذ محسن محمد لساعات .. قال لى : فى حياة كل إنسان اكثر من حب .. لكل لونه وطعمه ومذاقه .. وكل يمثل مرحلة معينة من العمر .. وان لونا من هذا الحب لن ننساه ابدا .. لكن حبا واحدا استبد بعقلى وقلبى معا ولا يزال يملك زمام نفسى حتى الآن .. اتابع حبيبتي فى كل مكان .. ان الصحافة حبى الأول والأخير .. فى كل المدن التى زرتها .. كانت الصحيفة الكبرى او الإقليمية هى هدفى الأول فى الرحلة كلها .. وكان قد اعطى تعليماته إلى سكرتيرته الخاصة بثينة عبد المعين .. بأن تقسم مكتبته إلى نصفين .. نصف لمكتبة جريدة الجمهورية .. والآخر لى .. وفوجئت بأن كلماته التى قالها لى .. كتبها بالحرف فى مقدمة كتابه : الصحافة قصص ومغامرات .. قال لى انه كان يأتى لمكتبة بالجمهورية .. وفى جيبه ورقة كتب بها حوالى عشرة او خمسة عشر فكرة جديدة .. يقدمها لرئيس التحرير الحالى فى ذلك الوقت .. اى منذ حوالى ١١ عاما .. يقول محسن محمد فى كتابه الصحافة .. قصص ومغامرات : انه فى ١٧ ديسمبر ١٩٠٣ .. ارتفع الأمريكي اورفيل رايت بطائرته فى الجو ٥٩ ثانية فتكلمت الصحف عن هذا النبأ بلا مبالاه .. او بإهمال .. الا صحيفة واحدة اسمها " نورفلك فيرجينيان بايلوت التى نشرت النبأ بعد اسبوع عنوان رئيسى للجريدة " مانشيت " .. وكان سببا فى تضاعف توزيعها .. وفى الخمسينات من القرن الحالى نشرت صحيفة البيولوجية البريطانية .. انها ستدفع مليون جنيه لأول من يصل الى القمر فى هذا القرن .. ولم تتوقع الصحيفة ابدا .. ان يضع الانسان قدميه على القمر قبل قرون .. ولم تدفع الصحيفة المليون جنيه .. ويقول محسن محمد .. انه فى عام ١٨٣٥ .. أرادت صحيفة زيادة توزيعها فنشرت ان العالم السير جون هيرش اكتشف بواسطة اكبر تلسكوب فى العالم .. انه توجد حياة على القمر وتوجد مخلوقات لها أجنحة اشبه بالوطاويط وهذه : المخلوقات تتكلم ولديها القدرة على الإبداع الفنى .. وارتفع توزيع " صان " الى أرقام خيالية خلال الأسابيع التى انتشرت فيها قصة " وطواط القمر " .. حتى كشفتها الصحف المنافسة .. ويقول محسن محمد : الصحفيون جنس آخر من البشر .. يعيشون معا .. بينما يتنافسون ويتبادلون الغيرة ويحاولون اخفاءها .. حياتهم حافلة بالمغامرات .. قصصهم فريدة .. بعضهم أصابته ضربة حظ لم تتكرر ابدا .. سابريل لاكمان واحد منهم .. محرر سباق الخيل فى صحيفة " الديلى إكسبريس " .. يوم ٢ يونيو ١٩٢٠ بدأ ينشر نبوءات عن اسم الحصان الفائز فى سباق الخيل الذى سيجرى فى ذلك اليوم .. وظل ٢٩ يوما يتنبأ بإسم الحصان الفائز .. فزاد توزيع الصحيفة بمقدار الثلث خلال تلك الفترة .. وقال مبررا نجاحه او حظه .. انه كان يحسن الدراسة والبحث والتحقيق .. ولم يذكر أن أقدام الخيل ساعدته .. وآخر جاء حظه بطريقة أخرى .. كان يقضى إجازته فى جزيرة كوزمو اليونانية .. ثم استقل الطائرة عائدة الى لندن .. ارتفعت الطائرة ثم سقطت فى البحر .. وفيها الصحفى .. امامه وحوله قصص صحفية .. فقد نجا جميع الركاب .. نسى زوجته .. لتلتقط عيناه وتسجل ذاكرته .. قصص خوف ٨٥ راكبا ورعبهم وامنياتهم وصراعهم ضد الموت .. ليكتب الصحفى تحقيقا صحفيا ممتازا .. تحقق بضربة حظ وسقوط طائرة .. يقول الاستاذ محسن محمد ان الصحفى جورج بليس عمره ٦٠ سنة .. اطلق الرصاص على زوجته ٥١ سنة .. ثم انتحر بالرصاص .. كان يشغل منصب مرموقا فى صحيفته .. وفاز بجوائز صحفية لتميزه ٣ مرات .. توجه وزوجته الى حفل عيد ميلاده .. قال كل الذين حضروا الحفل ان بليس كان سعيدا مبتسما .. وعاد لبيته فى التاسعة والنصف مساء توجه على الفور لفراشه وفى الخامسة والنصف فجرا .. قتل الرجل زوجته برصاصة فى راسها .. ثم انتحر .. قال الشهود من زملائه .. انه كان ينشد الكمال دائما .. كان يجد نقصا فى اى موضوع او مقال يكتبه .. ومن هنا عذب نفسه .. فانهارت اعصابه اكثر من مرة ودخل مستشفى الأمراض العقلية ٣ مرات وعندما غادره اخر مرة كان قد قرر ان يغادر الحياة كلها !! لم ار بليس فى حياتى .. لكننى أحسست بعذابه وعذاب كل الصحفيين الذين يبحثون عن الكمال ولا يجدونه .. فإن معظم الصحفيون يعيشون باعصاب ضائعة !! ويقول محسن محمد : الصحفيون يرتقى بهم ويهزمهم ايضا الطموح .. توجد صحفية ضحكت على جريدتها " واشنطن بوست " وعلى اللجنة التى توزع جوائز بوليتزر .. اشهر الجوائز الصحفية فى امريكا .. كانت عينت فى الصحيفة فى ٣ يناير ١٩٨٠ .. اول قصة نشرتها عن مسابقة الجمال بين الزنجيات فى امريكا .. ثم نشرت بعد ذلك ٥١ قصة أخرى .. قالت لرئيسها المباشر انها تحقق قصة طفل عمره ٨ سنوات يدمن الهيروين وظلت شهرين تجرى وراء هذه القصة عن عذاب طفل يحقن تحت الجلد بهذا المخدر اللعين .. ونشرتها يوم ٢٨ سبتمبر ١٩٨٠ وارتفع توزيع الجريدة الى حوالى المليون نسخة .. وكتبت عن والدة الطفل التى هددتها بسكين اذا نشرت اسم الطفل أو عنوان الاسرة .. فلم ينشر .. ويوم النشر منعت الصحيفة الصحفية من قضاء ليلتها فى بيتها خوفا عليها من القتل .. والتفت واشنطن كلها للقصة وطالب رجال الشرطة ان تذيع الصحفية اسم الطفل وعنوانه لحمايته وعلاجه .. فرفضت .. وأعلن مدير الشرطة انه وجد الطفل وهو حاليا فى حماية الشرطة .. وفازت الصحفية بجائزة الصحافة .. كما منحتها الجريدة ترقية وعلاوة استثنائية .. لكن الصحف المنافسة قالت إنها اكذوبة .. بعد ١٠ ساعات كاملة من تحقيق الصحيفة مع الصحفية .. انهارت واعترفت بأنها خدعت الجميع ولفقت القضية .. اعتذرت الصحفية للقراء .. وسحبت الجائزة من الصحفية .. طردتها من الصحيفة .. لكن عرضت احدى شركات السينما على الصحفية ان تقوم ببطولة فيلم يصور هذه الاكذوبة كاملة .. لكنها رفضت .. على أمل أن تعود للصحافة يوما ما .. وبالطبع لن تعود .. فإن اساس العمل الصحفى الثقة التى تنشأ بين القارئ وصحيفته وكتابها .. بقى ان اقول : ان الصحفى يعيش طول عمره .. يريد ان يعرف ويتعلم .. هدفه الوصول الى الحقيقة .. زاده القراءة والاطلاع .. رحم الله اجيالا .. وبارك فى عمر من بقى منهم على قيد الحياة .. اناروا لنا الطريق بثقافتهم وقراءاتهم وعلمهم .. وطبعا جهدهم .