* من الألف إلى الياء
..........................
تتفق الرؤية الصائبة علي أن الرسالة الأهم للدراما الواقعية إدراك وتصحيح متناقضات العلاقات الاجتماعية ،والانحياز لقضايا ومشكلات الأسرة والمجتمع.
ولا يختلف اثنان على أن الفن رسالة ذات تأثير متبادل مع قضايا المجتمع وطموحاته ،ويبقي الفن القيمي المبدع مرآة صادقة لما يموج بالمجتمع من مشكلات وتطلعات ، راصدا ومعالجا أفراحه وأتراحه وهمومه وأوجاعه بموضوعية ومصداقية بلا تهويل أو تهوين.
وفي سبيل تصحيح المسار بدت مؤشرات إيجابية ومبشرة من خلال بعض الأعمال الدرامية الجيدة هذا العام ،عبر مسلسلات "تحت الوصاية" بطولة النجمة مني زكي ،"ستهم"بطولة الفنانة روجينا ، "عملة نادرة"للفنانة نيللي كريم.
ويبدو أن الدراما المصرية في طريقها للتعافي التدريجي والخروج من كبوتها بعد سنوات من النكوص والتراجع الفني ،ومعالجة قضايا بعيدة عن واقع المجتمع ،أوالتركيز علي السلبيات والمقابح ، ورصد السلوكيات الشاذة لبعض المتمردين علي القيم ، حتي تخيل البعض أن المجتمع تحول لحفنة من الانتهازيين والنفعيين والأفاقين واللصوص ، وتجار الكيف ،ولا يعرفون إلا لغة العنف والقسوة والاستغلال وفرض النفوذ !.
وغابت عن النصوص والمشاهد الرسالة القيمية التي تبني ولا تهدم،ومع طغيان "دراما المقاولات"، اختفت المعالجات الواقعية التي تنحاز للبسطاء، وترصد النماذج الناجحة والإيجابية،وتنتصر لقيم العدل والخير والجمال !.
ومن بين أعمال دراما الموسم الرمضاني هذا العام ،ووسط هذا الزخم الكبير تابع المصريون مسلسل "عملة نادرة"، ومن خلال أحداثه عالج المؤلف والسيناريست مدحت العدل قضية معاناة المرأة مع قضية التوريث وخاصة في ربوع صعيد مصر ، حيث تمنع التقاليد الاجتماعية المتوارثة أن ترث البنات والسيدات الأرض،مع تعويضها بالمال،وأحيانا بخس وغبن حقها من الأساس ، وماذا لو رفضت إمرأة هذه التقاليد ،والتي تتعارض مع العقل والمنطق والتعاليم الدينية المنصفة؟!.
وفي مسلسل "ستهم" للمؤلف ناصر عبدالرحمن بطولة النجمة "روجينا"، تدور القصة في إطار إنساني اجتماعي تم استقاء أحداثه من قصص حقيقية لأربعة سيدات مُكافحات حصدن إشادات مجتمعية كبيرة بعد معاناة كبيرة بعد وفاة الأزواج.
ويعرض مسلسل "ستهم" قصة المعلمة عفاف التي ارتدت الجلباب الصعيدي، وحصلت على شهرة واسعة في مجال التجارة لتنافس كبار التجار ،كما يرصد رمزية كفاح المرأة المصرية في صراع الحقوق والواجبات.
ولعل أهم النقاط الإيجابية المضيئة للعمل الدرامي أنه سطر رسائل ربما توقظ ضمير المجتمع حول قضايا ومورثات ومعتقدات بالية وعفا عليها الزمن وتتطلب تغييرا يتوافق مع مستجدات العصر ومن قبله الانتصار لشريعة السماء العادلة.
ويأتي قارب منى زكي في ثياب مسلسل "تحت الوصاية"، والذي حظي بمعدلات مشاهده عالية وغير مسبوقة ،وأثار جدلا كبيرا وتصدر قائمة أهم المسلسلات الاجتماعية هذا العام في تقييم المجلس القومي للمرأة.
المسلسل عالج بحرفية قضية تتعلق بحقوق المرأة والأرامل وقانون الولاية على أموال القصر ،برؤية درامية للمؤلفين خالد دياب وشيرين دياب، وصفت واقعا مرا،جاء كحصاد طبيعي لقانون صدر عام 1952 منع الأم الذي توفى زوجها من الوصاية على أموال أبنائها القصر حيث تؤول الولاية المالية بعد وفاة الأب إلى الجد ،أو العم وفي حال رغبة الأم في انتقال الوصاية المالية إليها عليها أن تتقدم بطلب إلى المجلس الحسبي وهنا قد تكون الصدمه بعدم موافقة الجد أو العم وتبدأ رحلة معاناة الكثيرات من الأرامل!.
كما رصد المسلسل أنماطا مختلفة للتحديات التي تواجهها المرأة في ميدان العمل والتجارة إذا دفعتها الظروف ،ورفض بعض النفعيين ومرضي القلوب وجودها في هذا الميدان إلا بشروطهم المغرضة ،ووفقا لأهوائهم الخبيثة.
لقد فرضت متغيرات كثيرة أن تتبوأ المرأة مسئوليات كثيرة،ومن ثم كان لزاما أن يقف المجتمع بمؤسساته القانونية والتشريعات والاجتماعية في صفها حماية لكيان الأسرة وحافظا علي استقرار المجتمع.
ورغم النهاية المؤلمة التي صدمت الناس لكن قارب تحت الوصاية استطاع أن يحرك ركود الدراما من ناحية ،ومن ناحية أخري تمكن من أن ينخر عباب المياه الراكدة منذ عقود في قانون الولاية ،حيث تقدم بعض نواب البرلمان بطلبات لمراجعة الكثير من قوانين الأحوال الشخصية ،فيما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية السمحاء.
وقاموا بصياغة مشروع قانون جديد مع طلب إحاطة موجه لوزير العدل بخصوص العقبات التي تواجه الأرامل مع المجلس الحسبي ،ووفقا لما قالته النائبة إيمان الألفي يستهدف التشريع الجديد الحفاظ على أموال القصر وتعزيز دور المرأة في رعاية أبنائها والحفاظ على مستحقاتهم.
إنها خطوات مهمة علي طريق العودة للتميز ،ولن ننسي أبدا أن الدراما المصرية بكافة روافدها قد صنعت تاريخا عريقا من التميز والإبداع ،ربما يقترب من المائة عام، باختيار النص الجيد الذي يتفاعل مع مشكلات وقضايا الناس والأداء الواقعي واختيار وجوه ،وشخوص مصرية تلقائية،حقيقية، وصادقة..
ورغم بساطة التقنيات وآليات الإخراج والتصوير وكافة عناصر البناء الدرامي، لكنها حققت التميز والريادة واستحقت وصف زمن الفن الجميل،والذي نطمح أن نلتحف بإيجابياته وسجاياه في ثياب عصرية متطورة.