الى الأمام
حالة من العناق العجيب والمدهش بين الازهر والحسين..عناق من نوع خاص قد لا يدركه او يتصوره الكثيرون للوهلة الأولى..هناك حبل سري عجيب يربط ما بين المسجدين الكبيرين الأزهر والحسين حبل دري توقد من شجرة مباركة يضيء كل فضاءات الزمان والمكان المنظورة منها وغير المنظورة على السواء ويضفي مزيدا من السحر على كل الارجاء..
هذا الحبل السري الدري يستمد روحه وعنفوانه من الأصل الراسخ والروح التي تظلله من عبير النبوة الخالص من رسول الله صلى الله عليه وسلم ..الذي منح كلا من الحسين وامه فاطمة مكانة خاصة رفيعة ليس فقط بحكم الابوة وما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهما " حسين مني وانا من حسين " ولكن لكونهما الأصل والجذر وأصحاب الامتداد الحقيقي للعترة النبوية واهل البيت على مر الأيام والسنين..فالازهر منسوب ومسمى على فاطمة الزهراء والحسين منسوب ومسمى على اسم الحسين رضي الله عنه وشرف المكان بوجود الراس الشريفة مدفونة فيه..
ولعل هذا ما يكشف عن بعض اسرار سحر المكان وعبقريته والتي تجعل الزائر أيا كان في حالة من النشوة والسمو او على الأقل يشعر بان شيئا ما ينتشله من هموم وعذابات ويغوص به الى عوالم من السكينة والمحبة واحيانا من الرهبة خاصة لمن لامس الوجد شغاف قلوبهم ومن يستشعرون بعظمة وجلال المحيا..
ستاخذك الدهشة مع لحظات التأمل لحالة العناق التاريخي الممتد بين المسجدين والارتباط الوثيق بينهما حتى ان قاصد المكان لايمكنه التفريق بينهما فايهما يريد فهو يقصد الاثنين معا والانتقال بينهما يمر بنفق عجيب اشبه بالحبل السري فعلا وفي الحالتين تنتقل من عالم السحر والضياء الى عالم الجلال والرهبةعلى جنبات حي الازهر والحسين!.
لابد ان تتوقف حتى وان كنت زائرا عابرا قاصدا قراءة الفاتحة والسلام على سبط رسول الله سيصيبك شذى وشذرات من الانوار العلوية التي تملأ ارجاء المكان ويغمر عبيرها الجميع بلا استثناء..
امام المقام الشريف وعلى بابه تتسمر العيون امام الاية القرانية الكريمة التي تعلو الحائط بنور اخضر :" انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا" والى اليمين منها حجرة الاثار النبوية بعض الأشياء الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم يوجد فيها سيف حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا السيف لم يحارب به النبي وموجود جزء من قميصه والمكحلة الخاصة ومصحف سيدنا علي بن أبي طالب الذي خطة بيده وهو مصحف غير منقوط وهناك بعض الشعيرات الشريفة من لحية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه المقتينات وصلت مع السيدة زنيب رضي الله عنها حينما جاءت الى مصر مع البقية الباقية من ال البيت بعد استشهاد الحسين ووضعت المقتنيات أولا في منطقة اثر النبي ثم انتقلت المقتنيات إلى جوار حفيده سيدنا الحسين رضي الله عنه.
في هذه الأجواء المفعمة بالروحانية تتسلل الى النفس مشاعر وتغمرها احاسيس من نوع خاص وتطير الروح الى اهل الكساء ومن شملهم النبي صلى الله عليه وسلم بكسائه وهو يتلو تلك الاية :"انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا "..تتوق النفس ساعتها ان تمسها نفحة من نفحات التطهير وهي تتأمل ما حدث في بيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وما روته في هذه الواقعة تحديدا وحرصها ان تدخل في الكساء النبوي لاهل بيته تقول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع زوجك وابنيك حسنا وحسينا" . فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم:إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة كسائه فغشاهم إياها ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". قالها ثلاث مرات قالت أم سلمة : فأدخلت رأسي في الستر فقلت: يا رسول الله وأنا معكم؟ فقال : "إنك إلى خير" مرتين.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن الحسن والحسين:«هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما"، وكان يقول:"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"..
تتامل المشهد وكأنك تسمع صوت النبي وهو يمر على باب على وفاطمة مع كل صلاة وهويقول :السلام عليكم اهل البيت.. انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا..
اذا كان هذا بالداخل فالمشاهد حول المشهد الحسيني يحار العقل في تفسيرها وتتوالى معها الأسئلة كيف ولماذا وماذا يحدث.اشياء كثيرة غير قابلة للتصديق بحسابات العقل ولكن للعارفين والمحبين قواعد أخرى مدهشة وعجيبة ما عليك الا التامل او التسليم والاستسلام لما يحدث معك بلا اعتراض أحيانا او الانزواء ادبا وتأدبا..
تتعجب كثيرا من مشاهد كثرة الاكلين والمتصدقين من كل حدب وصوب يستوى في تقديم هذه الخدمة الأغنياء الميسورين والفقراء المحبين لآل البيت وممن نذروا ان يطعموا احباء ودراويش الحسين.
اذا كان الامر عاديا في أيام السنة فانه مع رمضان حالات خاصة تتفرد بها مصر ام الدنيا اعتقد انها غير موجودة في مكان اخر من العالم.. تتوقف السيارة في مكان ما على حافة المشهد وبجوار السور وعشرات بل مئات الوجبات الجاهزة الفاخرة بالطبع يتم توزيعها فورا على الحضور بلا تفرقة ولكل طالب .. وهوما يفعله أيضا عدد غير قليل من أصحاب المحلات المجاورة للمسجد..
رجل اخر يحمل كرتونة على كتفه يضعها ويقوم بتوزيع الارغفة المحشوة بخيرات الله من لحوم وغيرها..اخرون يوزعون العصائر واكياس التمر الصغيرة لزوم الإفطار السريع واخرون يوزعون أكياس الماء بالورد
مشاهد متصلة لا تكاد تتوقف حتى بعد اذان المغرب..
في كل وقت لن يعدم الزائر نفحة من نفحات الخير من محبي الحسين ودراويشه الذين آلوا على انفسهم اكرام زوار المقام الشريف وتقديم التحايا لهم سواء داخل المسجد او على اسواره..
من لطائف المعاني ومفارقاتها ان هذا السلوك العفوي في اطعام الطعام والحرص عليه حول المشهد الحسيني خصوصا ومساجد اهل البيت عموما يتمثل حقيقة اخلاق وصفات الحسين وآل البيت..فهذه الصفة كانت من اجمل وانبل صفاته ومن قبله والده الامام علي رضي الله عنهم اجمعين ..فقد كان معروفا ومشهورا بالإحسان للفقراء والمساكين وقد ورد أنّ زوجته بعثت له في أحد الأيام تُعلِمه بأنّها صنعت له طعاماً وطيباً وتخبره بأن يُحضر من يشاء إلى ذلك الطعام فدخل الحسين إلى المسجد وجمع المساكين وذهب بهم إليها فأتتها جواريها وقلن لها: والله لقد جلب عليك المساكين ثم دخل الحسين على زوجته وقال:(أَعزِمُ عليكِ لما كان لي عليكِ من حقٍّ أن لا تدَّخرِي طعاماً ولا طيباً) ففعلت فأطعمهم وكساهم وطيّبهم..
والمعروف ان الاية الكريمة : "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا".. قد نزلت في الامام على وفاطمة رضي الله عنهم..
التجديدات الأخيرة التي افتتحها الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤخرا اضفت المزيد من الجمال على رونق المسجد من الداخل والخارج تجديدات ابرزت التحفة المعمارية والقيمة الاثرية للمسجد..تشعر بالفعل انك امام مسجد جديد ومنهج متجدد في عمارة المساجد ليس فقط في رمضان والمناسبات الدينية ولكن طوال العام ..باشراف وزارة الأوقاف ووزيرها النشط فضيلة الدكتور محمد مختار جمعة..
تغييرات جوهرية معاصرة في المسجد لا يمكن ان تخطؤها عين مراقب حصيف ومحب لآل البيت خاصة بعد انزواء اركان جماعات التصوف إياها وما كان يصحبها من فوضى مزعجة ومقلقة لا تليق بجلال ومقام بيت من بيوت الله فضلا عن مقام سبط رسول الله وسيد شهداء اهل الجنة.
المسجد الان يعج بالأنشطة القرآنية والدعوية المميزة..حلقات تحفيظ القران الكريم وجلسات الاقراء بقيادة كبار القراء والمشاهير في العالم .. منافسات ممتدة ومفتوحة في القراءات وبكل الطرق المشهورة للقراءة. للرجال والنساء على السواء..هذا فضلا عن دروس الاقراء للاحاديث والسيرة النبوية وغيرها لكبار العلماء بالازهر والاوقاف..في صورة حية لما يجب ان يكون عليه المسجد في المجتمع المسلم..
والله المستعان..