من الألف إلى الياء
إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ويقضي بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون ،ستظل الحياة بإحداثها المتلاحقة وابتلاءاتها وجوائحها ومنجزاتها وعثراتها كتابا مفتوحا لأبناء المعمورة ،ربما يستقون منها العبرة ويعيدون ترتيب حساباتهم وأوراقهم من جديد!.
وخلال السنوات الماضية شهدت الدنيا أكبر الإشارات الكونية التي أربكت دول العالم شرقا وغربا وشلت حركة الحياة الطبيعية بين مختلف البلدان،وخلفت الكثير من التداعيات الاجتماعية والإنسانية والبيئية والاقتصادية المؤلمة!.
ولكن يبدو أن دروس ورسائل كوفيد 19، الذي ضرب دول العالم شرقا وغربا لم تصل بعد لمن بيدهم مقاليد الأمور وتحريك دفة السياسات من أهل المعمورة .
ووفقا لمعطيات الواقع فلم يشهد العالم إلا مزيدا من الفرقة والتشتت والنزاعات نتيجة الاتهامات المتبادلة بين الكبار وعلي رأسهم أمريكا والصين حول أسباب نشأة هذا الفيروس، أما المستغلون للأزمات والنكبات فقد أعدوا العدة للاستثمار الذكي للجائحة، بهدف تحقيق أرباح طائلة من التطعيمات واللقاحات المحصنة ،الأدوية المساعدة،لتحقيق المناعة والتحصن من عدوي الفيروس وتحوراته ومضاعفاته.
وبعد أن خرجت إنسانية العالم صفر اليدين من كارثة كورونا ،وخلال عام واحد ابتليت البشرية بإشارات كونية جديده ،حيث تزايدت التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية بصورة لم يشهد لها العالم مثيلا مع تضاعف معدلات الاحترار العالمي ،وظهور كوارث بيئية اتخذت صورا عديدة، كانتشار الجفاف وظهور أحجار الجوع في أنهار أوروبا ،واختلال أحزمة المطر وتزايد حرائق الغابات والفيضانات،وحدوث خلل في الأنظمة البيئية نتيجة زيادة معدلات الكربون والتصنيع المكثف واستمرار الاعتماد علي الطاقة الإحفورية، مما أثر سلبا علي إنتاج المحاصيل الزراعية الاستراتيجية في مناطق عديدة بمختلف بقاع الأرض.
ومن جديد غابت الرؤية الاستراتيجية الصائبة وحكمة المواءمة والقراءة المتفحصة للمشاهد والأحداث الأممية، واشتعلت الحرب الأوكرانيةالتي خلفت أثارا سلبية في أزمات الغذاء والطاقة ،تعطل سلاسل الإمداد وتسببت في شلل حركة التجارة الدولية في بعض المناطق، وزيادة معدلات الاسعار وتكلفة الإنتاج علاوة علي موجات متصاعدة من التضخم والركود ،وغيرها.
وعلي نفسها جنت "براقش"، فقد أشعل الصراع حروبا إقتصادية عديدة بين معسكري الشرق والغرب، فقد اجتاحت أزمات الطاقة والتضخم مختلف أرجاء القارة الأوربية العجوز، كما تكبدت موسكو خسائر كبيرة جراء الحصار الاقتصادي والعقوبات المتتالية ومحاولة فرض دول الغرب عزلة طويلة الأمد علي الشركات والمؤسسات الروسية علي كافة المستويات والأصعدة.
ويبدو أن العالم سيشهد حرب جديدة تتعلق بوقف هيمنة الدولار ،وخاصة بعد إعلان موسكو أنها ستحصل سعر منتجات الغاز والوقود بالروبل واعتماد العديد من العملات المحلية في التبادل التجاري ،ودعوتها الصريحة لدول العالم للبحث عن عملة دولية جديدة وإحلال وتبديل العملة الأمريكية الصعبة التي كبلت الدنيا عشرات السنين وفرضت هيمنة علي مسارا ت ومآلات حركة التجارة الأممية.
وخلال عدة أشهر آواخر عام 2022، وبداية 2023، ضربت مئات الزلازل مناطق مختلفة من العالم ،وشهد العالم المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي تكبدتها تركيا وسوريا أوائل شهر فبراير الماضي حاملة العديد من الإشارات الكونية والرسائل لأبناء المعمورة، بعد أن حصدت أرواح ما يزيد عن 50 من أرواح الأبرياء وإصابة مايزيد عن 100 ألف من المصابين والجرحى ،علاوة علي آلاف المفقودين ممن قبروا تحت الأنقاض!.
ومثلما هي الحكمة من الموت والحياه ليختبر الخالق عباده فيما هم صانعون ،وصدق الله العظيم ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك 1-2.
وانطلاقاً من هذه المعاني الجليلة تأتي أهم رسائل السماء تحذر أهل الأرض من استمراء واستمرار التجبر،والكبر والاغترار، والتمادي في الخصومة الحادة،والتفكير في إعادة تشكيل خريطة العالم دون النظر بعين العطف لضحايا هذه الصراعات والحروب ،ولكن حين يغيب ميثاق الشرف الإنساني فلاصوت يعلو فوق صوت حرب المصالح الاستراتيجية للكبار، دون النظر بعين الاعتبار للمصائر المشتركة للجميع!.
ورغم هذه الأزمات المتتابعة فلم تصمت دانات المدافع شرقا وغربا، ولم تضع حرب أوكرانيا أوزراها بعد، وبدأ العالم يتوجس من المستقبل المظلم لهذه الصراعات والنكبات!.
وحتي إشعار آخر فما يزال إنسان العصر يتحرك بلا وعي في مسار ضد إنسانيته فحتي في الأزمنة الغابرة وزمن الجاهلية السحيقة ،عرف الناس الهدنة، الأشهر الحرم، حيث يهدأ المتناحرون قليلا،وتتذكر العقول إنسانيتها وتضمد جراحها الجسدية والمعنوية ،فربما تسمو النفوس وتتصالح القلوب المتخاصمه.
أما في عصرنا فقد غابت الحكمة وانطفأت مشاعر الرحمة والحلم والترفق وذهب صوت العقل، بلا رجعة وفقد الإنسان رشده وصوابه في صراع السلطة والمال ،وربما يفقد تدريجيا مع بقي من سجايا وقيم!.
وما يزال البعض يحلم بميثاق عادل للشرف الانساني الذي يوجب وقف الصراعات والصوم المؤقت عن النزاعات والحروب ولو علي سبيل الهدنه مراعاة لمشاعر من قضوا حتفهم أو أصيبوا ،وربما يتفرغ الناس قليلا لملمة الجراح ،والتفكير المبدع لمواجهة هذه الجوائح الأممية التي أصبحت وأمست تهدد البشرية بخطر داهم ومصير مشؤوم!.
إنها إشارات ورسائل للإنسانية الجريحة التي تورات تحت أنقاض الفوضي الخلاقة والمصالح الاستراتيجية الواهمة ،ولاعزاء لمن أراد أن يتنفس هواء الحياه الكريمة في دنيا النفعيةوالمعايير المزدوجة!.