رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

كشفت الأزمات المتلاحقة أن عالم اليوم أضحي وأمسي في كارثة أممية تستحفل يوما بعد يوم، من جراء هيمنة الدولار الأمريكي علي مختلف أوجه المعاملات التجارية والاستثمارية والاقتصادية!.

وفي كل الأمور وفقا للقاعدة الدهرية العادلة إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلي ضده،فقد أمست الدول الكبري والناشئة والصغري علي حد سواء تفكر مراراً في الفكاك من هيمنة الدولار مع تزايد الرغبة في التحرر الاقتصادي والعتق من سيطرته التي تجاوزت كل الحدود!!

كل المؤشرات الأممية تشي بلا ما لايدع بأن هناك تجوسات مشروعة وتطلعات بضرورة إيجاد مخرج عملي من مأزق "الدولار" ،وخاصة مع بوادر الخلل في النظام النقدي الأمريكي وانعكاساته الدولية ،بعد قرارات الفيدرالي الأمريكي بزيادة الفائدة لمعدلات غير مسبوقة،وإعلان عدد من البنوك الأمريكية إفلاسها،ومرددوها السلبي علي حركة التداول النقدي العالمية!.

واعتقد أن هذا ما حرك قناعات القوي الكبري في ترتيب الاقتصادات المهيمنة ،للبدء في اتخاذ إجراءات استراتيجية للفكاك التدريجي،ومن ثم الأبدي من هيمنة العملة الأمريكية!.

وبعد استمرار التداعيات المؤلمة للأزمات الاقتصادية الأممية المتلاحقة بدأت دول العالم التفكير جليا في اتخاذ إجراءات فاعلة لحصار الدولار، والتقليل من سطوته كعملة دولية موحدة والتحلل من تعهداتها تجاه الأخضر المتلون!.

وقد عمقت الأزمة الأوكرانية الروسيه جراح دول كثيرة بعد الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها ،وإصرارها على فرض عقوبات متلاحقة علي موسكو في محاولة للضغط عليها للانسحاب من أوكرانيا.
وتضامن مع روسيا حلفاؤها بالمعسكر الشرقي،وجاء الرد سريعا باعتماد الروبل العملة الرسمية في مقابل الغاز.
كما اعتمد البنك المركزي الروسي عددا من العملات الدولية من بينها الجنيه المصري،تمهيدا لإجراء صفقات واتفاقيات لتبادل السلع والمنتجات وعلي رأسها السلع الاستراتيجية.
وأعتقد أن الصين سيكون لها دور فاعل في تغيير السياسات ومعالم الخريطة النقدية الأممية خلال السنوات القادمة.

كما بدأت دول أمريكا الجنوبية دراسة التنشيط التجاري واعتماد عملات إقليمية موحدة ،وهناك أحلام تداعب السمراء بتدشين العملة الأفريقية الموحدة ،وزيادة حجم التبادل بالعملات المحلية للتخفيف من وطأة أزمات وقيود الدولار.

وأتصور أنه ومع بدء الإجراءات التنفيذية لهذه التوجهات،فإن العالم قد بدأ في دق أول مسمار في نعش العملة الصعبة، والتي أصبحت وأمست مصدرا للازعاج والقلق نحو المستقبل وبصفة خاصة لدي اقتصاديات الدول الناشئة.

وتعود هيمنة الدولار كأكبر جريمة اقتصادية في التاريخ لاتفاقية برتون وودز عام 1944م ، تلك الاتفاقية التي جعلت الدولار هو المقياس الأساسي والمعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم حيث تعهدت أمريكا بموجب تلك الاتفاقية بأنها تمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات
وتنص الاتفاقية على أن من يسلم أمريكا 35 دولارا تسلمه أمريكا أوقية من الذهب !

وحينها صار الدولار يُسمّى (عملة صعبة) واكتسب ثقة دولية وذلك لاطمئنان الدول لوجود تغطيته له من الذهب ، واستمر الوضع على هذا الحال زمنا حتى خرج الرئيس نيكسون في السبيعينات على العالم فجأة في مشهد لا يتصوره أحد ،ربما في أفلام الخيال العلمي ليصدم كل سكان الكرة الأرضية جميعا بأن الولايات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ،ما يقابله من ذهب ليكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت تطبع الدولارات بعيدا عن وجود "غطاء الذهب" وأنها اشترت ثروات الشعوب وامتلكت ثروات العالم بحفنة أوراق خضراء لا غطاء لها!
وأعلن نيكسون حينها أن الدولار سيُعوَّمُ أي ينزل في السوق تحت المضاربة وسعر صرفه سيحدده العرض والطلب بدعوى أن الدولار قوي بسمعة أمريكا واقتصادها وكأن هذه القوة الاقتصادية ليست قوة مستمدة من تلك الخدعة الكبرى التي خدع بها العالم
فلم تتمكن أي دولة من الاعتراض أو إعلان رفض هذا النظام النقدي الجديد لأن هذا الاعتراض سيعني حينها أن كل ما خزينة هذه الدول من مليارات الدولارات في بنوكها سيصبح ورقا بلا قيمة !.

وقال نيكسون حينها كلمته الشهيرة :
(يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها ويجب ان يلعبوها كما وضعناها)
ولا زال هذا النظام قائما حتى اليوم !.
ولذا قال بوتين: أمريكا تسرق العالم..نعم تسرقه عيانا جهارا ،فهل تفلح إرادة العالم في إعلان الحرب علي الدولار والتحرر من قيود هذه الخدعة الدهرية الكبري؟!

ومن رحم المعاناة والأزمات يولد الأمل ومؤشرات التفاؤل، فتحقيق الطموحات ليست مستحيلة ،لكنها ممكنة ، بزيادة معدلات الإنتاج ،إنعاش العملات المحلية ، وقبول عملات أجنبية أخري للتدوال ،أو العودة لنظم المقايضة وهو الأكثر عدالة وإنصافا، وربما تتجاوز الدول الاتفاقات الأممية والتعهدات المشؤومة التي لم يجن منها أهل المعمورة إلا الغبن والتبعية وإفساد محاولات التنمية
والنهوض!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة