رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

المتابع لما يحدث فى المجتمع من حرائم وعنف متبادل بين الناس يدرك قيمة أن يتسلح الإنسان بالهدوء والتسامح والعفو والرحمة وغيرها مما أوصانا به رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
مذبحة الإسكندرية التي روعتنا منذ ساعات سبقها غضب وتهور من انسان تجرد من كل المشاعر الإنسانية ليعدم فلذة اكباده مع آخرين.. ولو تسلح هذا المجرم وغيره ممن يرتكبون جرائم عنف يوميا بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتكبوا هذه الجرائم.
ورغم العطاء الأخلاقى المتواصل للوصايا النبوية الكريمة والكفيلة بضبط سلوك الإنسان ودفعه الى التعامل برقى وتحضر وتسامح ورحمة مع الآخرين.. إلا أن الوصية الذهبية وسط كل الوصايا النبوية هى قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تغضب) فالغضب هو سلاح المواجهة الأول لكل ما يرتكبه الإنسان من عنف، وقد أكد علماء النفس ومكافحة الجريمة أن ضبط النفس عند الغضب- بمعنى السيطرة عليها والتحكم فيها وعدم تركها تسيىء للآخرين- هو العامل الأول والأهم فى مكافحة الجرائم وتحقيق السلام النفسى والاجتماعى بين كل أفراد المجتمع، فما أكثر وأقبح الجرائم التى ارتكبت لأسباب تافهة، وعمليات استفزاز للمشاعر من هنا أو هناك.

لقد أكد علماء الأخلاق أن الإنسان السوى هو الإنسان معتدل المزاج، عفيف اللسان، المتسامح مع الآخرين والذى يتحلى بالعفو عند المقدرة، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى هذه الصفة من صفات وخصائص المؤمنين الصادقين، فقال فى القرآن الكريم:" الذين ينفقون فى السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين".

وهكذا يؤكد الدين على الاتزان النفسى والسمو الأخلاقى، حتى فى أحلك الظروف التى يمر بها، وفى أشد حالات الغضب، ينبغى أن يتحلى بضبط النفس، فلا يغضب لسبب تافه، ولا ينساق وراء استفزازات الآخرين.. وشأن كل من يلتزم بأدب القرآن، ويتخلق بأخلاق رسول الله يستطيع أن يعيش حياته سعيدا مطمئنا، ويجلب الراحة والطمأنينة لنفسه فى حياته وفى علاقاته بالناس، ويحمى نفسه من كل مكروه قد يجلبه له التوتر والانفعال والعصبية الزائدة.. ذلك أن الغضب والانسياق لأهواء النفس خلال سيطرته على الإنسان هو الذي يؤدى الى كثير من المصائب والكوارث، فضلا عما يلحق بالإنسان من أمراض، فما أكثر ما يحدث فى حياتنا من جرائم قتل بسبب الاستسلام للغضب وتركه يسيطر على الإنسان ويدفعه الى ارتكاب كل الجرائم التى يحاسب عليها الشرع ويعاقب عليها القانون.

**

من هنا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ضبط النفس والسيطرة عليها عند الغضب، وقد جاءت توجيهاته فى هذا الأمر مثالا فى الالتزام الأخلاقى والانضباط السلوكى والاتزان النفسى، وتجاوبت مع مطالب الإنسان الذى تنتابه حالات من الفرح والسرور، والحزن والضيق، والرضا والسكينة، والغضب حيث يسيطر علينا التوتر والانفعال معظم الوقت نتيجة ظروف العمل وضغوط الحياة أو نتيجة مشكلات وأزمات هنا أو هناك، وكثيرا ما ننفعل ونتصرف باسلوب غير لائق عندما نستسلم للغضب، وقد يصاب الغاضب بمكروه سريع نتيجة غضبه، وقد يسبب له الغضب والانفعال المتكرر مشكلات وأزمات صحية، ولذلك كان التوجيه النبوى الكريم:" لا تغضب".

صحيح أن ضبط النفس عند الغضب أمر لا يقدر عليه إلا من أعطاه الله القدرة على الثبات الانفعالى، ولديه القوة والعزيمة، وهنا يبرز قول الله سبحانه:" ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".. كما أن ضبط النفس يعد من رجاحة العقل، يقول الحق سبحانه:" وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور".. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب".

***

التربية الأخلاقية لأولادنا تساعدهم على ضبط النفس والاتزان الانفعالى، لأن ما يحدث فى المدارس وفى محيطها وفى الشوارع والنوادى وغيرها من مشاجرات بين الأطفال والشباب فى الشوارع تؤكد أن كثيرا من أولادنا يفتقدون هذا الخلق الإسلامى العظيم الذى نحتاجه جميعا.

ويرتبط بضبط النفس ويسبقه خلقين آخرين عظيمين هما: (التسامح- والعفو عند المقدرة) فالتربية الأخلاقية ترقى بسلوك الإنسان عند الغضب الى درجة التسامح والعفو عن المسيىء وليس معاقبته، والتحلى بهذه الأخلاق الفاضلة ليس ضعفا، بل هى القوة بعينها والاتزان النفسى والسمو الأخلاقى فى أجمل صوره.. ولذلك يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه:" واتبع الحسنة السيئة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".

هذا الخلق الحسن يتجلى عندما يسيطر الغضب على الإنسان تجاه موقف يغضبه، أو سلوك يرى فيه إهانة أو إساءة، وهنا ينبغى على كل من يتعرض لموقف من هذا النوع أن يتذكر قول الحق سبحانه:" إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين".. وقوله عز وجل:" وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". كما ينبغى عليه أن يعمل بتوجيهات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمواجهة هذه التجاوزات بالسلوك الرشيد، ووضع انفعالاته في إطارها الشرعي، فلا يرد على الإساءة بإساءة مماثلة أو أقل أو أكبر منها، فالإنسان السوى الذى تربى فى بيت كريم "متسامح عفو كريم يمتلك نفسه عند الغضب".

ومن هنا كان النهى عن الغضب أبرز وصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه،أوصاهم ألا يغضبوا،وقد كان عليه الصلاة والسلام، يوصي أصحابهدائما بحسن الخلق،الذي هو أثقل شيء في الميزانيوم القيامة، وهو هنا يدلهم على بابعظيم من مكارمالأخلاق، وهو: تركالغضب، وكف النفسعند الغضب.

جاء فى الحديث الصحيح أن رجلاجاء النبى صلى الله عليهوسلم من قبلوجهه فقال: أي العمل أفضل؟فقال: "حسن الخلق".. ثم أتاهعن يمينه فقال:أي العمل أفضل:قال: حسنالخلق.. ثم أتاهعن شماله فقال: أي العملأفضل؟ قال "حسن الخلق.. ثمأتاه من بعد - يعني من خلفه- فقال: أي العملأفضل؟ فقال النبيصلى الله عليهوسلم: "ما لكلا تفقه؟ حسنالخلق، هو ألا تغضبما استطعت"..وهكذا يكون حسنالخلق فى عدم الغضب كما أرشدنا ووجهنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة