رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

يستعد المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها لاستقبال شهر رمضان المعظم الذى يهل علينا وكلنا أمل وتفاؤل أن يمن الله علينا بالرخاء ويحقق لنا ما نرجوه لمصرنا الغالية من استقرار وأمان.

أيام ونستقبل هذا الشهر الفضيل، شهر اختصه الله بفضائل وبركات لم تكن لغيره من شهور العام، فيه من النعم والخيرات والعتق من النيران والغفران من الذنوب والعطاء الإلهى ما يفرض علينا أن نستثمره على أفضل ما يكون الاستثمار، ونستفيد منه أقصى ما تكون الاستفادة.

والاستعداد لرمضان لا يكون أبدا بتخزين أشكال وألوان الطعام والشراب كما يفعل كثير من الناس، فرمضان شهر عبادات وطاعات وتقرب الى الله بكل أعمال الخير.. وفى هذه الأيام لا ينبغى أن ننشغل بما سنأكله ونشربه فى رمضان، بل علينا أن نجتهد لمعرفة كيف نجنى ثمار العبادات والطاعات والاستفادة بهذا الشهر الفضيل ليكون منارة هدى ونقطة تحول مهمة فى حياتنا لنترجم على أرض الواقع قول الحق سبحانه:" شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان".

والاستعداد لهذا الشهر الكريم، يكون أولا بمعرفة فضله وعظيم منزلته، ففيه تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفِدت الشياطين"، فهو شهر خير وبركة ومغفرة ويتجاوز الله فيه عن الذنوب ويغفرها.

لذلك فأفضل ما نستعد به من الآن لاستقبال شهر رمضان هو تهيئة النفس للإكثار من الطاعات، واجتناب المعاصى والذنوب، والمداومة على صلة الرحم، والإحسان الى الوالدين والأقارب والجيران، وإنهاء النزاعات مع الآخرين، وطلب العفو من كل صاحب مظلمه، ورد الحقوق الى أصحابها، فالمسلم مطالب شرعا بأن يعيش فى هذه الأيام المباركة فى حالة تسامح مع النفس ومع الآخرين.

**

لا ينبغى أن نركن الى العبادات الرمضانية فقط من صلاة وصوم وزكاة لنحظى ببركات رمضان، فالعبادات إذا لم تصاحبها أخلاق فاضلة، ومعاملات طيبة، وحرص على الحلال، وتجنب كل ما هو حرام، ستظل طقوسا شكلية لا تحقق أهدافها الحقيقية فى حياة الإنسان.. لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"، وفي هذا رحمة من الله عز وجل بعباده، حيث جعل رمضان فرصة لأصحاب المعاصي ليتخلصوا من أوزارهم، ففى الصيام نهارا، والقيام ليلا طاعة وتعبدا لله، وحفظ اللسان والجوارح عن الشهوات والسفاهات، بيئة خصبة للمسلم ليستفيد من هذا المناخ الإيمانى الذى يساعده على أن يكون إنسانا مثاليا ذو خلق كريم يحظى بقبول كل المتعاملين معه، ليحظى فى النهاية برضا الخالق سبحانه وتعالى.

**

علينا أن ندرك أن العبادات الإسلامية تستهدف أولا تهذيب سلوك الإنسان، ولذلك فإن شهر رمضان الذى تتلاقى فيه عبادة الصوم مع عبادتى الصلاة والزكاة فرصة طيبة لنشر القيم والأخلاق الفاضلة بين الجميع، فالعبادات لم تفرض علينا لتعذيبنا، أو لحرماننا من طيبات الحياة كما قد يتوهم البعض، لكنها الى جانب أنها طاعة لله فرضت علينا لمصلحتنا وكلها منافع لنا، فالصلاة كلها منافع للانسان قبل أن تكون طاعة لله، والزكاة بركة فى الرزق والعمر، والصوم كله مكاسب روحية وبدنية للصائم الذى يحرص على آدابه وأخلاقياته.

علينا أن ندرك الأهداف الحقيقية لعبادات الإسلام ومقاصدها السامية، فالإنسان الذى يتطلع لرضا الله عز وجل لا يصلى ويرتكب الفواحش، ولا يصوم عن الطعام والشراب ويقترف الآثام والذنوب، ولا يزكى ويظلم خلق الله ويهدر حقوقهم، ولا يحج وهدفه أن يطلق عليه الناس لقب (حاج) وهو يفعل ما يشاء فى حياته الخاصة ومعاملاته مع الناس.

الإنسان الواعى الحريص على طاعة الله هو الذى يستفيد من هذه الأيام المباركة فى مراجعة نفسه وأن يبدأ في التخلص من ذنوبه وآثامه، فكل منا فى أمس الحاجة الى تصحيح المسيرة، وأن تكون أيامه القادمة كلها طاعة وحرص على الفضائل والطاعات، وأن يراجع نفسه باستمرار، ويتخلص من كل السلوكيات الخاطئة التي تجلب له غضب الله وعقابه.

**

الذين يصلون ويصومون ويزكون ولا يكفون عن السلوكيات الشاذة والغريبة ويؤذون الآخرين بألسنتهم وسوء أخلاقهم مطالبون بمراجعة أنفسهم، وتصحيح مسيرة حياتهم، لأنهم لم يستفدوا من عباداتهم وطاعاتهم شيئا، وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذى تفعله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف فيقول: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا ردهم وله ولا متاع، فيرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلا: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا العقل والحكمة لنستفيد من هذه الأيام القادمة فى تصحيح مسيرة حياتنا.

سألت عالمنا الكبير د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: ما الذى تحققه العبادات من فوائد ومكاسب للإنسان؟

قال: هذا أمر يطول شرحه، فكل عبادة يؤديها المسلم لها مقاصد وأهداف ينبغى أن تحققها بالفعل فى حياته، فالصلاة لها العديد من المنافع الروحية والأخلاقية والبدنية الملحوظة لكل مسلم والتى أفاض العلماء وأساتذة الطب البدنى والنفسى فى الحديث عنها، لكن القرآن الكريم يشير الى أهم مكاسبها الأخلاقية فى قول الحق سبحانه:" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة يتخلص المسلم من رذيلة البخل ويحس بحاجة الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات، وبالصوم يتعود الإنسان على الصبر وسائر خصال البر والتقوى، وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم، وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها وتؤتي أكلها إذا صدقت بها نية صاحبها.. أما إذا أداها كمجرد عادة يقوم بها، وأفعال جامدة لا روح فيها، فلا وزن لها، ولا ثمرة ترجى من ورائها.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة