•• عرف العرب بفطرتهم انه لا يأتى من الغرب ما يسر القلب .. فسجلوا ذلك فى أمثالهم .. وحتى الرياح الشمالية الغربية التى تهب على بلادنا وتأتينا من عندهم تكون فى الغالب محملة بالأتربة والغبار ومثيرة للرمال أو باردة تصاحبها الأمطار الشديدة والعواصف .
ليت شرور أهل الشمال والغرب توقفت عند الجو السيء و رياحهم وأمطارهم .. أو انتهت بزوال امبراطورياتهم و استعمارهم لدول الشرق والجنوب لقرون و امتصاص دماء الشعوب ونهب ثروات و خيرات بلادهم .. ولكنهم يعودون في ثوب جديد لهدم ثقافات و حضارات و قيم العالم الثالث رافعين هذه المرة شعارات براقة كالحرية و المساواة وحقوق الانسان و المرأة و عدم تقييد الفكر و الابداع .. وهي جميعها حق و لكنهم للأسف يريدون به الباطل !! .
تسعى بعض الــدول الغربية إلـى السيطرة على مقدرات الشعوب .. ولكن هذه المـرة ليس عن طريق الغزو العسكرى وهزيمة الدول بالجيوش والمــدافــع والـدبـابـات والـطـائـرات فذلك يكلفهم الكثير.. لذلك يقومون بالسيطرة على عقول الناس بوسائل الاتصال الحديثة وبث رسائل ومواد عبر الإنترنت تدغدغ مشاعر الجماهير وتجعلهم يفقدون الثقة فى كل شىء حتى يكرهون حياتهم ويتمنون أن يعيشوا مثل أهل الغرب والشمال حيث يوهمونهم بالديمقراطية وبحياة أفضل من خلال شائعات تقوم بها جيوش إلكترونية .. وإذا حاولت دولــة الـدفـاع عـن نفسها وعـن شعبها والتمسك بتقاليدها ودينها.. يهاجمونها عن طريق منظمات دولية يسيطرون عليها وتساعدهم على اتخاذ قـــرارات تدمر مـن يقف فـى وجههم إضـافـة إلى آلـة إعلامية جهنمية تشوه أيـة دولـة أو شخص يعارضهم !! .
كما هناك مواسم للتقلبات الجوية ونوات تشتد فيها الرياح الشمالية الغربية .. فإن هجماتهم كذلك على الدول والشعوب لها مواسم تنتعش فيها خاصة أوقات الأزمات الاقتصادية العالمية وتصبح الأحوال المعيشية صعبة فتلك فرصتهم لتصدير اليأس وإشاعة الفوضى وبدء الانقضاض على الدول .
للأسف.. أصبح معظم النشء والشباب فى دول الجنوب يتلقون معلوماتهم من مواقع التواصل او وسائل الاعلام ووكالات الأنباء العالمية الغربية .. ويـأخـذون ما يقرأونه أو يشاهدونه على الفضائيات و «اليوتيوب» و»الفيس بوك» على أنه حقيقة مسلم بها ولو كان ما يتم بثه «مفبركاً» أو كاذباً !! .
أصبحت العواطف والأهـواء تتحكم فى التصرفات وتشكل المعتقدات خاصة أنها سريعة الانتشار ولا أحد يعرف مصدرها.. وإذا كان الشباب له العُذر فى ذلك لقلة الخبرة وعدم وجود المعلومات الحقيقية فى معظم الأحيان فى أغلب دول الجنوب فان المصيبة ان جهات و مؤسسات رسمية فى هذه الدول تتعامل مع الشائعات والأكــاذيــب على أنها حقائق أو ترضخ لسطوة «السوشيال ميديا» وتحاول أن تسير مع التيار نفاقاً للمجتمع رغم علمها فى الغالب بأن المتداول ليس هو الحقيقة ولكنها ربما تضطر لذلك لأن الناس أصبحوا لا يصدقون إلا مواقع التواصل وفقدوا الثقة فى غيرها !! .
تستطيع أية جهة أو دولة معادية بث ما تريده عن طريق جيوشها الإلكترونية .. ويمكنها أن تحول الشائعات إلـى حقيقة يتبناها الــرأى العام فى أى دولــة .. والغريب أنه حتى بعد اتضاح الحقيقة ستجد من يشكك فى مصداقيتها وهو ما يعنى أن الحقيقة أصبحت غير مهمة فى تشكيل الرأى العام أمام الشائعات أو العواطف أو التصورات الشخصية أو الصور الذهنية التى تتكون وتؤثر فى الجماهير وتنتقل بسرعة البرق .. وهذا يعود بنا إلى ما يعرف «بسياسة القطيع» فالمتلقى يسير معصوب العينين وراء «الـتـريـنـدات» و«الـبـوسـتـات» و«الهاشتاجات» والتعليقات المتداولة وكأنه تم تنويمه مغناطيسياً.. وتتحول بذلك الشائعات أو الأفكار التى يريد الغرب بثها إلى مسلمات لا تقبل الشك حتى بعد أن يتم نشر الأفكار أو الأخبار الصحيحة والأكيدة .. وهذا ما جعل خبراء الإعلام والاتصال يطلقون على ما نعيشه الآن «عصر ما بعد الحقيقة» وهو المصطلح الــذى أعطته إدارة «الـقـوامـيـس» التى تصدرها أكسفورد جائزتها عام 2016 .
حـــاول الـعـديـد مـن المحللين والـخـبـراء وأسـاتـذة الاجـتـمـاع وعلم النفس تحليل هــذه الظاهرة ومعرفة لمـاذا يصر أى إنسان على التمسك برأيه المغاير للحقيقة رغـم ظهورها واضـحـة .. وحتى الآن توصلوا إلـى إلـى أن ذلـك يعود إلـى انتشار عكس الحقيقة بصورة سريعة جداً وتداولها بين الناس الذين أغلبهم من الشباب والمراهقين وهؤلاء قليلو الخبرة وضعاف الوعى والثقافة إضافة إلى نقص المعلومات الصادقة من البداية لذلك تغلب الأهواء على العقلانية وهو ما تستغله بعض الدول الغربية للسيطرة على عقول الشعوب فيسهل تغيير أخلاقهم وثقافتهم من جذورها .. والأخطر أن يتم جرهم إلى التطرف والإرهـاب أو الانحلال الأخلاقى وربما أوصلوهم الى الالحاد !! .
يمكن لجيوش الغرب الاعلامية والألكترونية باساليبهم ودراستهم لنفسيات الشباب ان يقنعوا أبناء الثقافة الشرقية بان الأديان لا تقف عائقاً أمام الحرية المطلقة ولا تمنع العلاقات الجنسية لا بين الذكور والاناث ولا بين المثليين .. ويطالبونهم بعدم الالتزام بعقائدهم وتقاليدهم وعاداتهم لانها ضد التقدم والتحضر .. واذا أرادوا ألا يكونوا متخلفين عن العصر فعليهم الاقتداء بالشباب الغربى المتحضر وشرب المخدرات والخمور وارتداء مثل ملابسهم والتحلى بأخلاقهم !! .
بالطبع ليس هدفهم تحطيم الثقافة والأخلاقيات الشرقية فقط .. ولكن الأهم السيطرة الاقتصادية والسياسية وهم يعلمون أن الشباب أصبح يعيش فى العالم الافتراضى ويقضى فيه معظم وقته بأكثر مما يجلسون مع أسرهم فجعلوا لهم من يطلقون عليهم «البلوجرز» و«اليوتيوبر» و«الانفلونسر» وهؤلاء تحولوا إلى قدوة وعن طريق بعضهم يبثون الأخبار الكاذبة والشائعات والأفكار السياسية التى يريدونها ويرددون دائماً ان الديمقراطية لا توجد الا فى الدول الغربية او التى تسير فى فلكها اما دول الجنوب فليس بها حرية ولا حقوق انسان .. وبالتأكيد نحن نعترف بانه ليس كل شئ في الدول النامية علي مايرام وهناك الكثير مما يجب فعله فى هذا الشأن .. و لكنهم في الغرب أيضاً لا يعترفون بحرية الآخرين و اكثر عنصرية و اعتداء علي حقوق الانسان من الشرقيين !! .
المهم انهم يقومون بتصدير ما يزعزع ثقة الشعوب في مؤسساتهم القومية كأن يرددون ان القوات المسلحه و الجيوش فى العالم الثالث تتدخل فى كل شئ .. بينما عندهم يستعينون بالجيش فى الاعمال المدنية كما لجأت بريطانيا الى تشغيل الجنود فى محطات البنزين وقيادة الشاحنات عند اضراب العمال .. وكذلك فرنسا التى لجأت اليهم لمواجهة المظاهرات وفضها بالقوة .. وعندما تولي الرئيس الامريكي بايدن الحكم وفي يوم تنصيبة قال ان الجيش الامريكي قوي وهو الذي حما البلاد من حرب أهلية ولم يقل احد كيف يتدخل الجيش و يقمع المتظاهرين وعندما نزلت قوات الامن الوطنى الي الشوارع و حاصرت الكونجرس و اخرجت المتظاهرين بالقوة و اعتقلت العشرات و القت القنابل المسيلة للدموع لتفريقهم .. لم نسمع وقتها جمعيات حقوق الانسان تطالب بحرية التظاهر و اطلاق سراح المعتقلين !! .
انهم يصدرون الي شعوب المنطقة ثقافة كراهية الجيوش و يجعلونهم يكرهون حكم العسكر وكأن ابناء القوات المسلحة في كل دولة ليسوا من اهل البلاد .. و الغريب ان الدول الغربية تؤيد الانقلابات العسكرية بل و تحرص عليها وتسعى اليها وتخطط لها في الدول التي تريد تغيير انظمتها حتي لو كانت ديمقراطية !! .
هذا جانب واحد من الرياح الشمالية الغربية التي تهب علي مجتمعاتنا وتهدف الي خنق الناس و اشاعة اليأس و الفوضي .. و هناك جوانب اخري عديدة ليس مجالها الان و سنعود اليها يوما باذن الله .. ولاننا " كلنا فى الهم شرق " فالمهم لابد من تحرك سريع من دول العالم الثالث و خاصة الدول العربية لمواجهة اعاصير هذه الرياح و تغذية وجدان المواطن .. فالوجدان الذى للأسف اصبح خاويا عند الكثيريين هو المسئول عن الثقافة و الأخلاق و الوعى ولابد من تغذيتة وتنقيته و تهذيبة ليعود " ابن الشرق " قادرا علي العمل والانتاج والابداع و الابتكار .. و يكون واعيا لكل ما يجرى حوله ويهدد أوطانه ومستقبله .. وعليه ان يتمسك بقيم الحق و الخير و الجمال .. و لا يخجل من عاداتة و تقاليدة ولا يهتم بتنمر أبناء الغرب !! .