رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

تحلق في شهر رجب المبارك – الذي هو أحد الأشهر الحرم – أصداء ذكرى معجزة الإسراء والمعراج بحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي اتسمت بالخلود ؛ لأن القرآن الكريم ذكرها في آياته ، بل واختص سورة باسمها وهي سورة الإسراء ، قال تعالى : " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا" ۚ .
واسمح لي – عزيزي القارئ – أن أسلط الضوء على بلاغة القرآن الكريم ، فقد افتتح رب العزة السورة بلفظ " سبحان " ؛ لأنها تحمل في ثناياها التعجب من عظيم صنع الله وطلاقة قدرته ، ثم جاء بلفظ " بعبده " ولم يقل بنبيه ولا برسوله ؛ لأن مقام العبودية هو مطمع الأنبياء والرسل ، إضافة إلى أن سمة العبودية تدل على أن المعجزة كانت بالجسد والروح واليقظة ، وليس كما يزعم الزاعمون بالروح ، فكانت الإسراء تسرية لقلب الرسول وتنبيهًا للعالم بأسره بأن مكانته عند الله عظيمة .
ومن يتأمل الأحداث والظروف التي سبقت هذه الرحلة يجد أنها كانت لرسول الله بمثابة العبور من المحنة إلى المنحة ، فقد كانت علاجًا مسح متاعب الماضي ، ووضع بذور النجاح للفترة القادمة من تاريخ الدعوة الإسلامية .
لقد اكتنفت المعجزة مرحلتان : الأولى السابقة : حيث عانى الرسول ما عاناه من أذى المشركين ، حتى خرج إلى الطائف ؛ لعله يجد قلوبًا رحيمة ، فوجدهم أشد صلابة ، بل أغروا سفهاءهم أن يقذفوه بالحجارة ؛ حتى سال الدم من قدمه الشريف ، أما اللاحقة : فكانت فيها مخاطرة ؛ حيث الهجرة من مكة إلى المدينة .
لقد كان العطاء من الله أن يجازي رسوله بالجزاء الحسن ، فإذا كان أهل الأرض طردوك يا محمد ، فأبواب السماء تُفتح لك ، والجنة تتزين لك ، والملائكة تتهيأ لاستقبالك ؛ ليعلم القاصي والداني مكانة وقدر النبي عند ربه ، فمقامه عند الله عظيم ، فكان الفرج بعد الكرب ، واليسر بعد العسر .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن : لماذا الإسراء والمعراج ؟
لقد حدد رب العزة الغاية في قوله تعالى : " لنريه من آياتنا " فأراد الحق أن يُطلع رسوله على ما عجز الخلق جميعًا على إدراكه ، وأن يرتفع به إلى مكانة لم يصلها أحد قبله ، ولن يصلها أحد من بعده .
لقد حفلت المعجزة بعظات وعبر ، كان منها على سبيل المثال لا الحصر : المنزلة العظيمة للصلاة في الإسلام ، فكل العبادات نزل بها جبريل بوحي إلى النبي إلا الصلاة فتلقاها النبي من ربه مباشرة في هذه الرحلة ؛ للزيادة في تشريفها ، كذلك المكانة المرموقة للمسجد الأقصى في الإسلام ، فهو أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، إضافة إلى اللجوء إلا الله بالدعاء إذا أحزننا أمر ما ولا نستسلم للأحزان ، ولنتخذ الرسول قدوة لنا في هذا الشأن ، فبعد كل ما تعرَّض له من أذى ، استمر في إكمال مسيرة الدعوة إلى الله .
وختامًا أقول : ستظل معجزة الإسراء والمعراج والتي التقى فيها الحبيب بحبيبه عيانًا جهارًا ، مدرسة للمسلمين يستلهمون منها العبر والعظات ، والتي تحمل في طياتها نبراس الهدى والرشاد للبشرية .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة