رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

أحببت الكاتب الكبير انيس منصور قبل ان التقيه .. عرفته عن طريق عموده اليومى فى جريدة الأهرام .. وعندما كنت المحرر البرلمانى لجريدتى " الجمهورية " .. شاهدت أنيس منصور يجلس فى مكتب الصديق العزيز رفعت مطاوع الأمين العام المساعد لمجلس الشورى فى ذلك الوقت ( فى الثمانينات ) وكان انيس منصور عضوا معينا بالشورى .. وكان يصحبنى زميلى وصديقى مهدى ابو عالية المحرر البرلمانى ايضا لجريدة مايو .. وكان مهدى على علاقة متينة بالاستاذ انيس .. فقد عمل معه .. عندما كان انيس منصور رئيسا لتحرير مايو .. وتعمقت علاقتهما .. وبمجرد ان شاهدت الكاتب الكبير .. وبدون تردد طلبت من مهدى ان يقدمنى له .. من هنا بدأت علاقتى بأنيس منصور .. جلست الى جواره .. اناقشه فى عموده اليومى بالاهرام .. وبعلاقته بالرئيس الراحل انور السادات .. وعلاقته بالمهندس عثمان احمد عثمان .. وذكرته بأول لقاء بيننا فى فيلا المرحوم عثمان احمد عثمان بالإسماعيلية .. عقب لقائهما بالرئيس السادات .. وقد اخرج يومها من جيبه القرنفل .. واخذ يوزعه على كل من كان متواجدا .. وهو يردد .. القرنفل اعظم علاج للأسنان .. انه اعظم هدية .. ذهبت لفيلا عثمان احمد عثمان فى ذلك الوقت لأعرف منه اخبار لقاءات الرئيس السادات .. فقد كان عثمان .. هو كنز المعلومات اليومى عن السادات .. طوال إقامته فى استراحة الفرسان بالإسماعيلية .. فعثمان يذهب صباح كل يوم للرئيس السادات .. ليسيرا معا .. على حافة القناة .. لأكثر من نصف ساعة .. وكان عثمان ينقل لنا بعضا من هذه الأحاديث .. ويتحدث عن برنامج الرئيس السادات اليومى .. واتذكر جيدا .. ان عثمان احمد عثمان .. بمجرد عودته ذات مرة من لقاء السادات .. جلس يتصل تليفونيا بوزراء حكومة ممدوح سالم يدعوهم للحضور غدا لحلف اليمين القانونية فى الإسماعيلية امام الرئيس السادات .. وعندما انتبه عثمان لوجودى بجواره طلب منى الاحتفاظ بهذه الأسماء حتى حلف اليمين وعدم نشرها .. وعقب ان انتهى عثمان من إبلاغ جميع الوزراء .. انتقلت الى غرفة مجاورة .. وابلغت الكاتب الكبير الاستاذ محسن محمد ( الله يرحمه ) رئيس تحرير ومجلس إدارة الجمهورية فى ذلك الوقت .. بأسماء الوزارة كاملة .. وكان ذلك قبل إعلانها ب ٢٤ ساعة .. ومنحنى الاستاذ محسن .. اول علاوة استثنائيه حصلت عليها وكانت ١٥ جنيها نعم ( خمسة عشر جنيها ) كانت فى ذلك الوقت رقما .. لم استمر طويلا محررا لشئون رئاسة الجمهورية .. فقد اخترت العمل محررا برلمانيا .. اعود لأستاذنا انيس منصور .. واللقاء الممتع معه فى مكتب رفعت مطاوع .. وبالمناسبة .. نجح رفعت مطاوع فى تحويل مكتبه الى دوار .. يلتقى فيه غالبية اعضاء مجلس الشورى .. اتذكر منهم المرحوم فريد خميس وحسين وجيه اباظه وعبد الإله عبد الحميد والفنانة القديرة امينه رزق عضو المجلس ود. العالم عبد الفتاح القصاص والكاتب الكبير صلاح منتصر وغيرهم طبعا .. هذا الشريط من الذكريات قفز امامى .. وانا اقرأ كتاب أحزان هذا الكاتب .. لانيس منصور .. كتبه فى نوفمبر ١٩٩٩ وهو يتحدث عن فترة مرضه .. وسيرته الذاتية فى ٣٢٦ صفحة .. وهذا الكتاب يعكس بصدق شخصية انيس منصور وكيف تأثر بالفلسفة التى درسها ثم اصبح أستاذا لها بكلية الآداب جامعة القاهرة .. يحكى لنا انيس منصور .. اللقاء مع طبيبه المعالج فى فرنسا .. البروفيسور رو شمور .. عندما قال له : اجلس الان وحدك .. قال انيس منصور فى نفسه ( الآن ) ؟ وليس غدا ؟ ووحدى وليس مع الآخرين ؟ .. لابد أن اجلس وان افكر فى شئ يراه الطبيب بعد ان شفيت إلا قليلا .. لابد انه يريدني ان اكتب وان يكون ذلك على شكل إعتراف .. مع اننى اعترفت له بأننى غلطان .. فقد اعتدت ان اجلس طويلا الى مكتبى وان ادخل ساقى تحت المكتب ولا انهض الا وانا غير قادر على أن اشد ساقى وظهرى وعنقى .. مع الشاى والقهوة .. غلط ! الف غلط .. فأنا لا استطيع ان اكتب واقفا مثل الشاعر الالماني جيته .. ولا استطيع ان اكتب نصف واقف ونصف جالس كما كان يفعل الاستاذ العقاد .. فقد كان يضع المكتب إلى جواره وينحنى يكتب واضعا يده اليسرى على مصرانه الغليظ حتى مات به .. ولا استطيع ان اكتب منبطحا على وجهى كما كان يفعل الكاتب الإنجليزى والتراسكوت .. ولا استطيع ان اكتب داخل سيارة .. كما كان يفعل الأديب الأمريكي جاك كيرواك .. وكان يقول يعجبني صوت الموتور .. اتوهم انه صوت عقلى .. واننى لابد أن أجرى مثله والحقه .. ولا ان اذهب الى أقرب محطة سكة حديد واكتب عبارات موسيقية بديعة .. كما كان يفعل الموسيقار الروسى برودين .. فأنا احب السكة الحديد مثله .. فالقطار تحددت له محطاته واهدافه .. فالقطار كأنه هو الحياة .. ومن نافذة القطار أرى الدنيا على مهل .. ويحكى لنا انيس منصور لقاء طبيبه بعد ان من الله عليه بالشفاء .. قائلا له : يجب أن تمشى كثيرا .. ساعة يوميا على الاقل .. المعروف ان انيس منصور نباتى .. ويتحدث انيس منصور عن فترة استرداد اعتباره .. وكيف عاد لممارسة حياته الطبيعة .. عندما وقع كتاب انيس منصور فى يدى .. قفز الى ذهنى مقال صديقى وزميلى الكاتب الصحفى الكبير على هاشم .. الذى كتبه يوم الخميس الماضي .. فى عموده الاسبوعي بالجمهورية " معا للمستقبل " .. تحت عنوان " تجربة المرض .. دروس لا تنسى !! " .. يحكى لنا تجربته مع المرض طيلة ٤٥ يوما امضاها بالمركز الطبى العالمى .. توقف على هاشم .. امام اول ما لفت نظره عند دخوله المستشفى .. آية قرآنية معلقة فى المدخل : واذا مرضت فهو يشفين .. يقول على هاشم : انه تأملها بعمق واستشعر معناها بقوة طيلة فترة علاجه .. مدركا ان الأسباب وحدها لا تشفى مريضا .. ولا تعيد العافية لمبتلى .. لكنها ارادة الله .. الذى أمرنا بالاخذ بالاسباب .. وكم من مرضى شفاهم الله بأيسر الأسباب .. والكاتب الكبير على هاشم .. يقدم لنا الدرس من محنة مرضه .. كما قدمه لنا أنيس منصور .. وفى كل الحالات .. تتحول معاناة المرض الى ذكريات وتجربة يحرص الكاتب على نقلها للقارئ بكل ما فيها .. بحلوها ومرها .. حتى نستفيد ونتعلم .. والكاتب يريد ان يقدم لنا عصارة افكاره .. وخلاصة تجاربه ومعاناته .. وايضا ثقافته .. فهى اغلى ما يملك .. هكذا فعل انيس منصور وعلى هاشم .. بقى ان اقول ان على هاشم .. ذهب الاسبوع الماضى الى نادى الشمس لتجديد اشتراكه السنوى .. كما يفعل كل عام .. وهكذا الكاتب .. انها الحياة !!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة