لوجه الله
لو سألت المسلمين فى العالم عن شيوخ وعلماء مصر الكرام فى مختلف التخصصات لسمعت كلاما يسعدك ويشرح صدرك ويدفعك الى الاعتزاز بوطنك، وبعلمائه وباحثيه ومفكريه الذين صنعوا تاريخا مجيدا لهذا الوطن.
لكن ما يصدمك ويعكر مزاجك ويدفعك الى الحيرة أن تجد تقديرا عظيما لعلماء بلدك فى الخارج.. ثم تجد تجريحا وتلفيقا وتشويها من بعض من يدعون الثقافة والتنوير فى الداخل.. ثم عندما تبحث عن تنويرهم وأثر ثقافتهم فلا تجد إلا مزاعم واتهامات عشوائية وادعاءات كاذبة لا يساندها دليل من هنا أو هناك.
فضلت عدم الكتابة عن الحملة المسعورة على إمام الدعاة الشيخ محمد متولى الشعراوى وانتظرت لعلى أجد ما يغير قناعتى عن هذا الرجل الذى سبق والتقيته كثيرا فى حوارات صحفية نقلت فيها جانبا من فكره وثقافته ووعيه الدينى لجماهير القراء.. ولكن للأسف لم أجد سوى مزاعم واتهامات عشوائية والتعامل مع الرجل على أنه نبى مرسل لا يمكن له أن يجتهد فيخطىء أو يصدر عنه رأى ثم يراجع نفسه ويعود الى الصواب كما هو حال البشر فى كل مكان وزمان وفى كل التخصصات.. وجدت تصيدا للرجل من خلال بعض الآراء أو الاجتهادات التى لو بحثنا فى تصريحاته وأقواله وحواراته ورصيده الفكرى الغزير لوجدنا تغيرا جوهريا يؤكد أن من حق العالم أو المفكر أن يجتهد فيخطىء ثم يعود الى الحق بعد مراجعة نفسه أو وجود ما يستدعى هذا التغيير.
***
لم تزعجنى الهجمة الشرسة على شخص الشيخ محمد متولي الشعراوي، فقد كشفت لنا تلك الزوبعة من جديد أن هذا الشعب الوفى الواعى يقدر علماءه، ويضعهم فى المكانة اللائقة بهم، ويهب دائما للدفاع عنهم وإنصافهم.. وكلنا تابعنا كيف امتلأت مواقع التواصل الاجتماعى برسائل الاعتزاز بالشيخ الراحل والدعوات الصادقة له وهو فى رحاب رب كريم.. فالرجل- رحمه الله- في معيّة الله وهو وحده الذى يحاسب الانسان على ما اقترف من أخطاء وتجاوزات سلوكية وفكرية، وينبغى أن يكون للميت حرمة يجب علينا صونها.. ولكن للأسف ابتلينا بأشخاص يدعون الثقافة والوعى ويبادرون دائما بالإساءة لرموز الوطن، وتشويه صورة قواه الناعمة التى ينبغى أن تكون فى قوائم الأشخاص والرموز الذين نعتز بهم.
المؤسف أن محاولات تشويه الرموز والإساءة للقوى الناعمة للوطن لم يقف عند الشيخ الشعراوى.. بل هناك العديد من الرموز الوطنية- من الأحياء والأموات- الذين نالهم ما نالهم من أذى وتشويه وتضليل بسبب غبار أدعياء الفكر والثقافة الذين ينطلقون دائما من شعارات كاذبة، وثقافات منفلتة، حيث يحاول هؤلاء فرض رؤاهم على الآخرين.. كما أن هناك مؤسسات وطنية محترمة نالها ما نالها من التشويه والتضليل من حفنة من أدعياء الثقافة الذين صالوا وجالوا فى تشويه بعض مؤسساتنا الوطنية التى نعتز بها.
الحقيقة التى ينبغى أن ندركها أن الغوغائية لن تصنع مجدا لهذا الوطن، وسياسة تشويه الرموز ليست برهانا على حرية فكر، والتطاول على علماء الوطن ومؤسساته الفكرية والثقافية ليست علامة على الشجاعة الأدبية أو الفكرية.. بل استغلال لحالة من الخلل الفكرى واللاوعى تسيطر على عقول البعض خاصة هؤلاء الذين يمتلكون نوافذ إعلامية وثقافية يطلون من خلالها على الناس.. لكنهم فى واد وغالبية هذا الشعب الواعى المدرك للحقائق فى واد آخر..ورد فعل الشعب المصرى على كل محاولات تشويه الرموز والقاء الغبار على قوانا الناعمة تؤكد وعيه وحسه الوطنى وإداركه لخطورة ما تفعله قلة تحاول فرض رؤاها على الثقافة المصرية.
**
فى كل مكان تذهب إليه تجد احتراما للأزهر ولعلمائه ولدعاة مصر عموما أيا كانت الجهة الإدارية التى تشرف عليهم فكلهم من أبناء الأزهر.. فى كل بلاد العالم يحترموهم ويقدروهم لأنهم ينتمون الى مؤسسة دينية وتعليمية عريقة.. وفى مصر فقط تجد بعض أدعياء الفكر والثقافة يعتقدون أن مشكلتنا الأساسية فى الأزهر وعلمائه، ولذلك لا يكف البعض عن التطاول على الأزهر والتشكيك فى قدرات علمائه وأساتذته، ويستغل هؤلاء بعض العناوين واللافتات الجديدة لكى يوجهوا سهامهم المسمومة ضد الأزهر الذى يرتفع رصيده فى نفوس المسلمين فى العالم كلما صوبت إليه سهام النقد والتجريح والتشكيك من جهلاء برسالته، حيث يتضاعف رصيد الأزهر كل يوم من التقدير والاحترام فى نفوس غير المسلمين قبل المسلمين.
والأزهر كمؤسسة ليس معصوما من الخطأ ولم يصل الى الحالة التى يتطلع لها القائمون عليه، فهو يعيش مرحلة تغيير وتطوير وتحديث لا تنقطع.. لكن للأسف معظم الذين ينتقدون الأزهر ليس لهم القدرة على فهم رسالته الحقيقية، كما يفتقد هؤلاء القدرة على المواجهة الفكرية.. ولذلك تظل اتهاماتهم للأزهر تتركز فى أحكام عشوائية يرددها كل واحد منهم ثم ينصرف هاربا دون أن يناقش أو يرد.
لا أحد يزعم أن الأزهر قد انتهى من تحقيق أهدافه التطويرية والتجديدية وأنه وصل الى الصورة المثالية التى تحقق طموحات المسلمين فيه سواء فى الداخل أو الخارج.. فقد أعلن شيخه أكثر من مرة أن حركة التطوير والتجديد والتحديث فى الأزهر بدأت قبل سنوات ومستمرة حاليا ولن تتوقف حتى تكتمل الصورة ويتحقق الهدف.. لكن من يدعى أن الأزهر يعيش خارج عصره عليه أن يقدم الأدلة والبراهين ولا يطلق أحكاما عشوائية متسرعة وينصرف أو يهرب من ساحة المواجهة.. مصيبة هؤلاء الذين يدعون الفكر والثقافة أنهم يريدون أزهرا ممسوخا بلا هوية دينية، يريدون أن يسير الأزهر فى ركابهم ويساير شطحاتهم الفكرية.. وهذا لن يحدث فالأزهر كان وسيظل قبلة المسلمين الفكرية والثقافية وسيظل رمزا للوسطية والاعتدال، وسيظل علماء الأزهر يؤدون رسالتهم الفكرية والثقافية وفق منهج الإسلام الوسطى ويواجهون التطرف بكل صوره وأشكاله.. سواء أكان تطرفا فى فهم رسالة الأديان، أو تطرفا ضد رسالتها، فالأزهر لا يواجه المتطاولين على الإسلام فقط، بل هو يواجه كل يتعامل مع الأديان السماوية بجهل وغباء.. فديننا الإسلامى الخاتم يحمل كل صور الود والاحترام لكل الأديان السماوية ويواجه فقط هؤلاء الذين انحرفوا برسالتها.