رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

فى عصر الغلاء لم تعد تفيد الشكاوى والبوستات التى تحمل مشاعر الاحباط واليأس، لأنها لن تغير واقعا صعبا نواجهه.. بل ينبغى الاستماع الى نصائح الاقتصاديين الموضوعيين الذين يعددون وسائل المواجهة لتقليل الآثار والتداعيات، وهى وسائل يمكن لكثير من الأسر العمل بها لتفادى بعض تداعيات موجات الغلاء المتلاحقة.

أول هذه النصائح هى ترشيد الاستهلاك بقدر الإمكان، والنصائح المتعلقة بالترشيد ينبغى أن نتقبلها بطيب نفس، فمعظم الأسر مضطرة لهذا الترشيد حيث لم تعد تكفى دخولها لأنماط الاستهلاك التى تعودت عليه من قبل فى ظل اشتعال الأسعار الذى نعيشه الآن، وينبغى أن ندرك أن دعوات ترشيد الاستهلاك قد انطلقت فى العالم كله للحد من الانفاق وخاصة فى الطعام والشراب، ورغم مواكبة دعوات الترشيد لتداعيات الحرب فى أوكرانيا وتأثيرها الكبير على ارتفاع أسعار الغذاء فى العالم كله، وما نتج عن ذلك من معاناة حقيقية لمحدودى الدخل والفقراء إلا أن الدعوة الى ترشيد الانفاق فى مجتمعاتنا لها أبعاد دينية واقتصادية وصحية وينبغى أن نفكر فيها فى كل الظروف والأحوال.

لذلك لا ينبغى أن تتوقف الدعوات والنصائح والتوجيهات والفتاوى التى يطلقها علماء الدين لترشيد الانفاق والحد من الاستهلاك خاصة ونحن مقبلون على شهر الصيام الذى حولته كثير من الأسر الى موسم سنوى للإسراف والسفه الاستهلاكى وبدأت الأسر من الآن الاستعداد له بتخزين كميات كبيرة من الطعام.. فالاعتدال مطلب شرعى، والإسراف مذموم في كل الأحوال بصرف النظر عن حالة الإنسان المادية، فليس معنى أنك تمتلك الكثير من الأموال أن تنفق على نفسك ومن تعول بسفه، فهذا سلوك يرفضه الشرع ويدينه وينبذ فاعله.. فديننا يأمرنا بالاعتدال فى كل شىء وخاصة فى الطعام والشراب، والله سبحانه وتعالى يمتدح عباده المؤمنين المعتدلين في كل تصرفات حياتهم، وفي إنفاقهم للأموال التي استخلفهم الله عز وجل عليها، فيقول سبحانه: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً".

وترشيد الانفاق لا يتوقف على استهلاك الطعام فهناك مجالات انفاق ترفى لا محل لها الآن كالرحلات الترفيهية والانفاق على الملابس التى ارتفعت أسعارها هى الأخرى وترشيد استخدام السيارات الخاصة وقصرها على الضروريات فى ظل ارتفاع أسعار الوقود.

**

وترشيد استهلاك الطعام يصاحبه الآن دعوات جادة بمقاطعة المنتجات الغذائية التى ارتفع سعرها بشكل مبالغ فيه مثل أسعار الدواجن واللحوم.. فالمقاطعة سلاح فعال فى مواجهة المغالاة فى أسعار كثير من السلع الغذائية التى يرتفع سعرها بسبب كثرة الطلب عليها.. والأمر هنا لا يتوقف على الدواجن وحدها بل هناك منتجات غذائية كثيرة ستنخفض أسعارها قطعا بمجرد تخفيف الطلب عليها، ولدينا تجارب عملية كثيرة فى مصر تؤكد فاعلية سلاح المقاطعة.

أيضا.. من أساليب مواجهة طمع وجشع بعض التجار الذين يستغلون ظروف الأسواق وما تعانى من اضطراب مقاطعتهم والبحث عن التجار الملتزمين الذين لا يغالون فى الأسعار ويرفعونها بشكل عشوائى، وأنا شخصيا أسأل أكثر من تاجر على سعر السلعة قبل شرائها وأتعامل مع أكثر التجار التزاما.

كما ينبغى أن يدافع المستهلك عن حقوقه ويقوم بإبلاغ الجهات الرقابية عن التجار المستغلين والمحتكرين وكل يوم تضبط هذه الأجهزة كميات كبيرة من المنتجات التى خزنها التجار لتعطيش الأسواق وجنى أرباح كبيرة من ورائها عند طرحها فى الأسواق بعد ارتفاع أسعارها.

ومن بين أساليب المواجهة الكف عن استخدام السلع الغذائية الاستفزازية مثل الفواكه والأسماك المستوردة وترشيد استخدام المكسرات التى ارتفعت أسعارها لارتفاع سعر الدولار.. فترشيد استخدام هذه المنتجات مهم حتى ولو كنا نمتلك ثمنها.

**

من بين أساليب مواجهة الغلاء وارتفاع تكلفة المعيشة كما يقترح الاقتصاديون مضاعفة العمل والانتاج، وهو مطلوب من الفرد كما هو مطلوب من الحكومة، فمن يعمل عملا خفيفا يبحث عن عمل إضافى، ومن يجلس عاطلا استنادا الى عائد مبلغ يدخره أو ميراث تركه له والده يبحث عن عمل، وفى كل دول العالم يبحث أصحاب الدخول المنخفضة عن أعمال إضافية توفر لهم عائدا إضافيا يساعدهم فى تلبية متطلبات حياتهم بعد زيادة تكلفة المعيشة.

كثير من الموظفين وأصحاب المعاشات لديهم فى بيوتهم محلات تجارية وخاصة فى الريف وهؤلاء يستطيعون ممارسة أنشطة تجارية فى تلك المحلات تدر عليهم دخلا يساعدهم على تدبير متطلبات حياتهم.

أيضا.. من بين أساليب مواجهة الارتفاع الكبير فى أسعار مواد البناء ترشيد عمليات البناء على المستوى الشخصى أو مستوى الشركات فمصر بها ثروة عقارية غير مستغلة لا توجد فى أية دولة فى العالم والتكالب على البناء وشراء وحدات سكنية وغلقها يؤدى الى مزيد من الارتفاع فى أسعار البناء.

النصيحة الأخيرة التى يقدمها الاقتصاديون هى الاستفادة بالمدخرات والتوقف عن شراء الدولار واكتناز الذهب، واستثمار المدخرات فى تجاره أو مشاركة تاجر أو عن طريق شهادات الاستثمار فى البنوك ذات العائد المجزى الآن.. المهم استثمار المدخرات بالشكل الذى يطمئن له قلبك.

**

أخيرا.. لا ينبغى أن نتوقف عن الدعاء بأن يرفع الله عنا الغلاء.. ولا تسهينوا بالدعاء فالله سبحانه وتعالى يأمرنا باللجوء إليه فى كل الظروف والأحوال ويقول: "وقال ربكم إدعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين"، ويقول عز وجل:" وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعام فليستجيوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون".. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الدعاء ويقول: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له فى الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها".

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة