لوجه الله
كل عام وأنتم بخير.. ساعات ونودع عام 2022 بمشكلاته وأزماته، ونستقبل عاما جديدا نتطلع فيه للأفضل: للوطن، ولأسرنا، ولأنفسنا، فحب هذا الوطن وخوفنا عليه وحرصنا على استقراره هو الشعور العام بين الغالبية العظمى من المصريين.. لا أحد يكره وطنه ولا يتطلع لسقوطه إلا معدومى الضمير والأخلاق والحس الإنسانى والوطنى.
فى العام الجديد نتطلع الى كل ما يحقق الاستقرار لمصر سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ونتطلع الى مزيد من العطاء فى مختلف المجالات.. وهذا العطاء مسئوليتنا جميعا، فالوطن ليس ملكا للحكومة، ولا لقيادة الدولة ومؤسساتها المختلفة، بل الوطن ملك لكل المصريين وواجب الجميع أن يسعى بقدر جهده للمساهمة فى استقراره.
مع بدء العام الجديد يجب أن نتسلح بالتفاؤل والأمل، ولا نستمع لدعاة الاحباط ومحترفى بث المشاعر السلبية بين المصريين.. لا ينبغى أن نقف كثيرا عند كلام هؤلاء الذين يرددون عبارات محبطة من نوعية (الأسوا لم يأت بعد) فمصر كنز من الخيرات، وكل تعاليم ديننا تحثنا على التفاؤل واستقبال الأيام القادمة بروح إيجابية تدفعنا الى العمل والانتاج والسعى الجاد لتحقيق مصالحنا وتحسين أحوالنا المعيشية.
لا يوجد ما يبرر أن نعيش مهمومين محبطين منتظرين الأسوأ ويسيطر علينا التفكير الدائم فى ارتفاع الأسعار وتداعيات ارتفاع الدولار والذهب وغير ذلك مما يزعجنا به أدعياء الوعى الاقتصادى.. بل ينبغى أن نعيش يومنا ونستقبل أيامنا القادمة بمزيد من الرضا والتفاؤل والعمل والانتاج، ولن تجوع نفس قدر الله رزقها مهما كانت الظروف، ومهما اشتد بنا الحال.
كثيرا ما أتجول فى المتاجر وأشعر بالطمأنينة من كم المنتجات الغذائية المعروضة وأجد إقبالا على الشراء مهما ارتفعت الأسعار، فالعقلاء من الناس ينفقون باعتدال ولا يفكرون فى الغد، وهذا هو المطلوب شرعا واقتصادا.. انفق بقدر استطاعتك ولا تسرف، وقف عند قول الله تعالى فى صفات المؤمنين الصادقين:" والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" فالاعتدال فى كل شىء هو سلوك الانسان السوى، وليس مطلوبا من أحد- لا دينا ولا عرفا ولا اقتصادا- أن يكتنز ما أنعم الله به عليه، ولا ينفق على حاجاته الضرورية، أو يبخل على أسرته وأولاده بما أنعم الله به عليه.
***
نعم نعانى من غلاء غير مسبوق.. لكننا فى نعمة وأمن يجب أن نشكر الله عليهما، ويجب أن نسعى بالطرق الشرعية لتحسين أحوالنا المعيشية لمواجهة ما نعانى منه من غلاء، فكثرة الشكوى لن تحل لنا مشكلة، ويجب أن نعترف أن التضخم يضرب كل دول العالم، وأنا على تواصل مع كثير من الأصدقاء الذين يعيشون فى أوروبا ويخبروننى من وقت لآخر بحجم الزيادة فى الأسعار فى بلادهم.. زيادة كبيرة فى أسعار الغذاء وزيادة فى أسعار الخدمات وتكلفة استهلاك الكهرباء والمياه والغاز، وغير ذلك من متطلبات الحياة اليومية.. لا نقول ذلك دفاعا عن سياسة حكومة، ولا تبريرا لمشكلات نعانى منها، لكنها الحقيقة التى يجب أن ندركها جميعا، ومعظمكم لكم أبناء وأصدقاء يعيشون فى هذه البلاد وتسمعون يوميا منهم كما نسمع عن ارتفاع الأسعار فى كل دول العالم.
مهما كانت ظروفنا يجب أن نتسلح بالأمل، فهو قيمة دينية نفسية حياتية لا يمكن أن يعيش الإنسان بدونها، فبدون الأمل في حياة أفضل وأرقى لن يعمل أحد، وبدون الأمل في مستقبل أفضل، لن يتعلم أحد، وبدون الأمل في تكوين أسرة مستقرة وإنجاب أولاد ينعم الإنسان بينهم بالبر والإحسان فلن يتزوج أحد.. وبدون الأمل في تغيير ما نعانى منه فى واقعنا فلن يتحرك أحد نحو الإصلاح والتوجيه والتقويم.
لا حياة بلا أمل، فالأمل هو الذي يجعل الإنسان يحب الحياة ويعمل من أجلها لخير نفسه وخير مجتمعه.. ديننا يغرس الأمل في نفوس كل الناس، ويحارب اليأس والإحباط بكل الوسائل، فلا ينبغي أن يتسرب القنوط إلى نفس إنسان، والقرآن الكريم يقول: "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" حتى المذنبين العاصين الذين أسرفوا على أنفسهم يفتح الله أمامهم باب الأمل فى التوبة على مصراعيه حيث يقولسبحانه: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم".
تعاليم ديننا تشجعنا دائما على التفاؤل واستقبال الأيام القادمة بمزيد من الأمل وعدم الالتفات الى المحبطين الذين يحاولون فرض مشاعر الإحباط والسخط على نفوسنا حتى لا نعمل ولا ننتج ولا نسهم فى مواجهة مشكلاتنا اليومية.
لا ينبغى أن نعطى هؤلاء الفرصة ليسيطروا على مشاعرنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا دائما إلى التفاؤل ويحثنا على التعلق بالحياة، والحرص على تعميرها ونشر الخير فيها، ولن يتحقق ذلك إلا بالأمل والرغبة في العمل، والإصرار على العطاء، وهذا كله واضح من توجيهه الكريم: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل".
ينبغى أن نسلح الأجيال الجديدة بقيمة الأمل والمزيد من الطموح لمواجهة مشاعر الإحباط واليأس التى يحاول البعض نشرها من خلال بعض الفضائيات أو مواقع التواصل الاجتماعى، فالشباب هم المنوط بهم صناعة مستقبلنا والدفاع عن وجودنا، وحماية مصالحنا، والارتقاء بواقعنا، وتحقيق النهضة المنشودة لبلادنا، ولذلك يجب أن تبذل كل الجهود لغرس قيمة الأمل في حياة أبنائنا، فالمحبط واليائس لن يعمل ولن ينتج، بل سيتحول إلى وسيلة هدم وتدمير للمجتمع، وهذا ما رأيناه بالفعل في سلوك بعض الشباب الذين جندتهم جماعات الارهاب خلال السنوات الماضية فى عدد من البلاد العربية، فالدراسة الموضوعية لأحوال هؤلاء الشباب النفسية والاجتماعية أكدت أن الذي دفعهم إلى ذلك هو الإحباط واليأس الذى بثته فى نفوسهم جماعات الارهاب لسهولة السيطرة عليهم وتوجيههم لتخريب بلادهم.
كل عام ميلادى جديد ومصر وشعبها بخير.. وكلنا أمل فى عام أفضل من الأعوام السابقة إن شاء الله.