رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

اعشق التاريخ .. وابحث عن كتب التاريخ فى كل سفرياتى .. عندما زرت العاصمة الفرنسية باريس .. لأول مرة منذ حوالى ٣٠ سنة .. طلبت أن تكون زيارة مكتبة فرنسا من أولويات الزيارة .. قالوا لى انه توجد اكثر من مكتبة .. واحدة عريقة تقع على نهر السين بالحى اللاتينى .. واخرى حديثة اقيمت على احدث ما وصل اليه العالم من فنون المكتبات .. وفى المكتبة التقليدية .. تكاد تسمع صوت خرير مياه نهر السين .. الملاصق للمكتبة .. نتيجة الهدوء والصمت داخل المكتبة .. وكأنك فى داخل محراب او مكان مقدس .. حتى يشعر القارئ .. بتوحده مع ما يقرأ .. ولا شئ يمكن ان يخطفه عن التركيز فيما يقرأ .. هكذا وجدت اسلوب كتابة ريم بسيونى .. فى رواياتها .. فهى تحكى لنا التاريخ فى صورة رواية .. فالمعروف ان التاريخ نصوصه جامدة .. لكن ريم بسيونى تقدمه لنا كحكاية بسيطة .. يحكيها اصحابها .. كما عاشوها .. وهنا يظهر إبداع ريم .. فى خطف القارئ ليعيش أحداث تاريخية حقيقية .. على لسان شخصيات من المفترض انهم عاشوها .. او شهود عليها .. وفى روايتها " الحلوانى .. ثلاثية الفاطميين " .. تربط أحداث فترة حكم الفاطميين لمصر بالحلوى .. وتختار لنا عم عبده الحلوانى .. صانع الزلابية .. لتجئ أحداث التاريخ على لسانه .. وربطها بالحلوى .. وكأنها تريد أن تعمق لدينا مفهوم راسخ .. ان اللى بني مصر فى الأصل .. حلواني .. استخدمت ١٤ نوعا من حلوى الفاطميين .. اهمها الكنافة واصابع زينب ولقمة القاضى والقطايف .. وقالت إن اهم ما يميز حلوى الفاطميين المسك والزعفران والسكر الممزوج بالدقيق .. وكانوا يضيفون الزعفران .. فلا حلوى دون الزعفران .. فهو يعطى لونا وعظمة لكل الحلوى .. تبدأ ريم بسيونى روايتها البليغة " الحلوانى " .. بقول الأمام جلال الدين السيوطى : ان يوسف عليه السلام .. لما دخل مصر واقام بها قال : اللهم انى غريب فحببها الى .. والى كل غريب .. فمضت دعوة يوسف .. فلا يدخلها غريب إلا احب المقام بها .. وفى نفس الصفحة تقتبس قول " بحنس " ساحرة الهرم : الشجاعة لحظة .. يختار فيها الانسان ان يناطح شياطين السماء والأرض وحده .. بلا تردد ولا وسواس .. ملقيا بكل الحذر الى قاع النهر .. متشبثا فقط بسنا البرق .. تلخص لنا ريم بسيونى روايتها الحلوانى .. فى اسلوب بديع .. مع نهاية الحوار مع عم عبده صانع الزلابية .. كما جاء على لسانها : فى صوت مبحوح : هذه الحكاية .. بها الكثير من الألم والعظمة .. وانا أضيف والعظة ايضا .. وتقدم لنا الخلاصة على لسان عم عبده " الحلوانى " : ان الزلابية .. حلوى لا تصلح إلا بالمزج بين كل المقادير كما مصر .. كلما أضفت اليها الغريب يمتزج داخل دقيقها ويعطى لحلواها طعما ولونا رائعا .. تقول ريم بسيونى : عند الالتقاء يتلاشى كل اختلاف .. وكل حرب .. وكل صراع .. وتبقى الحكاية بطهارة العشق .. ورونق الأحلام .. لم أعد أرى جيوشا تسير فى ترقب وحذر ولا صيحات يأس وفزع .. طغى طعم الحلوى على فمى ورأيت امامى عروس المولد فى اوج زينتها .. حلوة حلاوة جدة بقلب سليم .. جميلة كسندس .. متوهجة توهج فرون فى عشقها ومثابرة .. رفعت يدى القى السلام على جوهر الصقلى .. امام بوابة القاهرة .. تكلمت معه عن عم عبده وعن طعم الزلابية .. قلت له انه صدق عندما قال : لكل زمان دولة ورجال .. ثم سرت على قدمى وعيناى على جبل المقطم .. رأيته يطل على كأنه يذكرني بصحبة بيننا عامين او اكثر لم تنته .. انه السيد الاجل امير الجيوش يا بدر يا ارمنى .. اعرفك وافهم لم اخترت الوحدة عند العبادة والصلاة .. كل ذلك وريم بسيونى عائدة الى منزلها .. بعد ان استمعت الى حكاية الفاطميين فى مصر .. على لسان عم عبده حلواني الزلابية .. تتحدث ريم عما فى خاطرها ووجدانها بعد ان استمعت الى تاريخ الفاطميين فى مصر .. او بعد ان حكته لنا .. ان عينها تدور حول المكان .. فتراه شامخا .. السلطان حسن .. جاء ليقول : ان العهد دين والوعد لابد من تحقيقه .. يقتربون منى جميعا .. أكاد أشعر بارواحهم حولى .. فى العرائس على الجدار .. فى المئذنة فوق الجبل .. فى سور القلعة الحامية .. فى بناء شاهق يكاد يصل الى السماء .. كلهم معى .. واجمل ما فيهم انهم كلهم بقرب التاريخ ورهبته .. تقول ريم : سمعت تسابيح بأصوات كثيرة .. فى الجمال عبادة .. وفى الحلوى إبداع .. استرد صلاح الدين الأيوبي مملكة بيت المقدس من يد الصليبين بعد حوالى مائة عام من احتلال الصليبين لها .. وحرر معظم الاراضى التى احتلها الصليبيون بعد موقعة حطين عام ١١٨٧ مات صلاح الدين بعدها بستة أعوام .. عرف عن صلاح الدين سماحته فى معاملة المسيحيين واليهود وحتى حربه مع الدولة الفاطمية .. لم تكن حربا مذهبية بقدر ماهى تمكين دولة مكان دولة .. فقد تحالف معه شيعة حلب بعد ذلك .. اهتم صلاح الدين بالصوفية وتعلمها من عبدالقادر الجيلاني وهو ما أثر فى شخصيته وجعله زاهدا الى حد كبير .. ومتسامحا ومقدرا لكل الاديان والاختلافات .. لم يهدم صلاح الدين اى أثر فى مصر .. لم يزل مسجد الحاكم بأمر الله قائما .. وقبل كل شئ هناك الجامع الأزهر .. بل عزز أسوار القاهرة .. ووسع حدود المدينة .. لم يشهد صلاح الدين روعة قلعته .. مات قبل ان ينتهى البناء .. جاء السلطان المملوكى الاشرف خليل بن قلاوون .. وأعاد فتح عكا عام ١٩٢١ ميلاديا .. لينهى الوجود الصليبى فى بيت المقدس .. كما فعل من قبله صلاح الدين الأيوبي منذ ٧٣٤ سنة .. صلاح الدين الأيوبي هو أول من بنى مدارس فى مصر .. تختتم ريم بسيونى .. روايتها .. بواقعة إضافة بعض الطباخين الشيكولاته للزلابية !! ومن لا يعرف فريم بسيونى .. أستاذة لغويات فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة .. صدر لها ٨ روايات .. حصلت على جائزة أفضل عمل مترجم فى امريكا عام ٢٠٠٩ عن رواية بائع الفستق .. وجائزة نجيب محفوظ عن رواية اولاد الناس فى عام ٢٠٢٠ .. كما حصلت على جائزة الدولة للتفوق فى الآداب عن مجمل أعمالها .. ترجمت أعمالها الى الإنجليزية والاسبانية والايطالية واليونانية .. رواية الحلوانى .. تستحق القراءة .. بالرغم من انها اكثر من ٦٠٠صفحة !!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة