رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

التجارة من أسمى المهن وأرقاها على وجه الأرض، لذلك اشتغل بها أنبياء، وعدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مهنة رسولنا الخاتم، وتعددت نصائحه وتوجيهاته للتجار لكى يؤدوا رسالتهم الاقتصادية والاجتماعية والانسانية على الوجه الأكمل، ويسهموا فى استقرار مجتمعاتهم، ولا يكونوا سببا فى معاناة الناس بتخليهم عن القيم الأخلاقية التى أرساها الدين للعمل فى التجارة، وعدم سيطرة القيم النفعية فقط على المشتغلين فى الأسواق، فالتاجر له رسالة أخلاقية تفوق كثيرا رسالته الاقتصادية، ويجب أن تمتزج رسالته الأخلاقية برسالته الاقتصادية، ويكون نموذجا مشرفا لدينه وحضارته الإسلامية.

لكن للأسف.. تخلى بعض التجار أو كثير منهم عن أخلاقيات التجارة، وأصبح ما يشغلهم هو تحقيق أكبر قدر من المكاسب، ولا يهم هنا معاناة الناس وخاصة محدودى الدخل، كما مارس بعضهم أساليب احتكارية يرفضها الدين والقانون، وقاموا بتخزين بعض السلع والمنتجات ليوزعوها فى الوقت الذى يحقق لهم طموحاتهم المادية، ولذلك تعددت الشكاوى من التجار ليس فى مصر وحدها ولكن فى العديد من البلاد العربية والاسلامية مما دفع الأجهزة المسئولة عن ضبط الأسواق الى التحرك لمواجهة المستغلين والمنفلتين منهم.

لذلك يزعجنى ما نراه الآن من استغلال بعض التجار لما تمر به الأسواق من متغيرات بسبب ارتفاع أسعار السلع والمنتجات خاصة الغذائية والدوائية، واستغلال حاجة المجتمع لفرض ما يريدون من أسعار على منتجات غذائية ضرورية لحياة كل الناس، والاستغلال السيىء لمناخ حرية التجارة وتطبيق آلية العرض والطلب، وكان من نتيجة ذلك تفاوت أسعار معظم المنتجات الغذائية من مكان لآخر مع أن المنتج واحد، ومحلات عرضه متشابهة، ولا يوجد ما يبرر هذا التفاوت الذى يكشف عن استغلال مقيت لحاجة الناس.

**

لقد ثبت أن أكثر ما نعانى منه الآن فى أسواقنا هو (الاستغلال) وهو ما دفع الدولة مؤخرا لاتخاذ إجراءات للحد من طمع بعض التجار واستغلالهم.. وبعيدا عن إجراءات الحكومة لضبط الأسواق يجب على كل تاجر أن يعلم أن أهم صفة ينبغى أن يتحلى بها هى (الأمانة) فهى رأس ماله الحقيقى، وهى عمود الثقة فى أسواقنا ومعاملاتنا التجارية، ولذلك لا ينبغي أن تختفي من قاموس بعض المنتجين والتجار، لأنهم سيدفعون ثمنا كبيرا لفقدان الثقة بهم، ولن يكون المستهلك وهو وحده ضحية الاستغلال.

نحن فى أمس الحاجة الى استعادة الآداب والأخلاق الإسلامية الحاكمة والضابطة للنشاط التجارى، والتى تنطلق جميعها من القيمة العظيمة "الأمانة" التى حثنا على الالتزام بها الخالق سبحانه باعتبارها فضيلة الفضائل وأبرز القيم المهمة الضابطة لحياة الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إنه لا دين لمن لا أمانة له، وإن صام وصلى".

***

سألت العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء عن التوصيف الشرعى الصحيح للتاجر المستغل، فقال: التاجر الذى يستغل حاجة الناس ويفرض عليهم ما يريد من أسعار ولا يكتفى بالربح الحلال المعتدل هو (خائن للأمانة).

ويضيف: نحن فى أمس الحاجة الآن الى مصداقية التجار وأمانتهم وإدراكهم لرسالتهم الأخلاقية حتى نتجاوز التحديات الاقتصادية التى تواجهنا، كما تواجه العديد من دول العالم.

من هنا يؤكد العالم الكبير على ضرورة إشاعة خلق الأمانة فى أسواقنا وتنظيفها من كل التجاوزات السلوكية، والاطماع الشخصية، وسيطرة قيم الحق والعدل بين المنتج والتاجر والمستهلك ليأخذ كل منهم حقه، ولا يجور على حقوق الآخرين.

لذلك نؤكد أن الرقابة- رغم أهميتها- لا تكفى وحدها لضبط الأسواق ووقف التجاوزات، ومن المهم أن ننشر بين الناس- وخاصة من يعملون في الأسواق من منتجين وتجار- قيم وأخلاق الإسلام الاقتصادية.

لا ينبغى أن نترك انفلات الأسواق للأجهزة الحكومية المسئولة وحدها، بل ينبغى أن يكون للمستهلك دور فى المواجهة عن طريق مقاطعة كل مستغل، وأنا شخصيا أقوم بذلك، فكلما كان المستهلك يقظا ولا يفرط فى حقوقه، يسهم فى ردع المستغلين والمحتكرين.

ورسالة المستهلك فى وقت الغلاء واضطراب الأسواق لا تقف عند مقاطعة التاجر المستغل وإشعاره بأن ما يمارسه من استغلال مرفوض شرعا وقانونا، بل ينبغى أن يكون للمستهلك دور آخر أهم وهو "ضبط استهلاكه"، حيث يلحق بنفسه وبالمجتمع أضرارا بالغة بإسرافه وتجاوزاته الاستهلاكية وعدم وعيه بأن السفه الاستهلاكى يؤدى الى جشع التجار وغش الصناع أو المنتجين، فكلما كان السوق فى حاجة الى المزيد من السلع والمنتجات الغذائية بسبب زيادة الاستهلاك، كلما أعطينا الفرصة للصانع أو المنتج لكى يغش ويتلاعب فى المواصفات، وأعطينا الفرصة -أيضا- للتاجر لكى يستغل ويحتكر ويتحكم فى الأسعار وفقا لهواه.

بقى أن نذكر تجارنا بتحذيرات رسول الله صلى الله عليه وسلم من استغلال حاجات الناس، فمهنة التجارة رغم ما فيها من سمو ورقى يمكن- فى حالة الانفلات وتجاهل قيمها الأخلاقية- أن تجر التاجر إلى سخط الله وعقابه، وقد جاء في الحديث: "إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجارًا؛ إلا من اتقى الله وبر وصدق"، فالبر والصدق والتقى منجاة للتاجر من النار يوم القيامة.

نذكر التجار بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس منا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحتكر إلا خاطيء)، فكل من يخزن سلعة يحتاج إليها الناس من قوت أو غير قوت، ووصْف المحتكر بأنه خاطيء ليس أمرا هينا، فالله سبحانه وصف فرعون وهامان وجنودهما بأنهم كانوا خاطئين: "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ"

نذكر التجار بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة".

ننتظر من تجارنا إبراز رسالتهم الأخلاقية ومشاعرهم الوطنية وأن يكون لهم دور حقيقى فى ضبط الأسواق ومنع الاستغلال عن طريق الاكتفاء بالربح المعتدل، وسوف يبارك الله لهم فى أرزاقهم وفى مالهم وتجارتهم، وحت ينضموا الى قافلة التجار الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: "التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء"، هذا التاجر الذي يلتزم الأمانة والصدق في بيعه وفي شرائه، وفي سائر معاملاته؛ يكون يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة