لوجه الله
لجأت كثير من الأسر خلال الشهور الماضية الى اكتناز الذهب باعتباره ملاذا آمنا للحفاظ على الأموال وحمايتها من التآكل كما يعتقدون، وقد أدى التهافت على الذهب الى ارتفاع أسعاره بشكل مبالغ فيه لم يحدث فى أى بلد آخر من بلاد العالم، رغم أن كثيرا من الدول تعيش ظروفا اقتصادية أصعب كثيرا من ظروفنا، وقد أدت الرغبة الجارفة فى الاستحواذ على الذهب فى البيوت الى اكتنازه وتجميد الأموال فيه، وهو أمر يؤثر بالتأكيد على حركة الاستثمار والتنمية فى المجتمع كله، فاكتناز الذهب لن يسهم فى حل مشكلة، ولن يسهم فى تحقيق استقرار اقتصادى ينشده الجميع، فالاستقرار الاقتصادى والاجتماعى الذى ننشده لن يتحقق إلا بزيادة المال الإنتاجي عن طريق استخدام الأموال في الإنتاج؛ إما مباشرة في الآلات والمواد الأولية، وإما بطريق غير مباشر كشراء الأسهم والسندات أو الاستثمار فى البنوك حيث يتم تشغيل الأموال والاستفادة منها بما يعود بالنفع على الجميع.
وبالتأكيد.. أنا هنا لا ألوم من تكالب على شراء الذهب والمضاربة عليه، فلكل إنسان حرية التصرف فى ماله، ومن حق كل إنسان أن يحمى أمواله بالطريقة التى يراها محققة لأهدافه.. لكن واجبى هننا أن أنبه الى أن الاستثمار الذى يحث عليه ديننا ويؤكد عليه خبراء الاقتصاد الموضوعيين يعنى اللجوء الى تشغيل المال لزيادته؛ عن طريق زيادة الإنتاج والاستزادة من نعم الله، وذلك لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التى يتطلع إليها المجتمع.
لم يأمرنا ديننا أبدا بتجميد الأموال فى ذهب أو فضة أو دولار واكتنازها فى البيوت انتظارا لارتفاع أسعارها، بل حثنا على الاستثمار عن طريق تشغيل هذه الأموال فيما يعود بالنفع على المجتمع كله، ولا يستقيم أمر أى اقتصاد فى العالم إذا حُبس المال عن التداول، وكلما زادت درجة التقليب والمخاطر لرأس المال زاد العائد، والعكس صحيح.. ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول:" مَنْ بَاعَ دَارًا فَلَمْ يَجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي مِثْلِهِا لم يُبَارَكَ لَهُ فِيها"، كما يحث الجميع على العمل والانتاج فيقول: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل"، وهذا يعنى أن الهدف من الاستثمار ليس مجرد تحقيق الربح فقط، ولكن الهدف هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض بالمجتمع وهو ما ينعكس بالايجاب على الجميع.
من أهم معايير الاستثمار في الإسلام مبدأ مهم جدا يطلق عليه (الغنم بالغرم)، فلا يصح أن يضمن إنسان لنفسه مغنماً ويلقي الغرم على عاتق غيره، فبقدر ما يغنم به صاحب رأس المال من أرباح ومزايا في حالات الرواج واليسر؛ بقدر ما يجب أن يتحمل من خسائر في حالات الكساد، وهذا هو العدل.
**
بعد الارتفاع الجنونى لأسعار الذهب دفعنى الفضول الى الذهاب الى محل لبيع الذهب بالقرب من المنزل وطلبت منه شراء جنيه ذهب، فقال: "نحن متوقفون عن البيع حتى يستقر السوق"، فحاولت إقناعه بأننى فى حاجة الى جنيه ذهب لتقديمه هدية لأحد أحفادى وأننى مستعد لدفع ما يريد فاعتذر ونصحنى أن أقدم لحفيدى هدية أخرى غير الذهب.. وقال: حرام أن تدفع فى الذهب السعر الذى يباع به الآن.
احترمت هذا التاجر وشكرته.. فقد كنت فقط أريد الاطمئنان على أن ما أقرأه وأسمعه يوميا عبر وسائل الاعلام المختلفة عن سعر الذهب صحيحا.. وقد حدث.
والواقع لو أن كل تجارنا على قدر وعى هذا الرجل ما حدثت مضاربات فى سوق الذهب ولا فى غيره، ولذلك أؤكد أن قدرا كبيرا من ضبط الأسواق يرجع الى التجار فى مختلف مجالات تجارتهم.
نحن فى أمس الحاجة الآن الى التاجر الصاداق الأمين الذى يقدم مصلحة بلده على مصلحة شخصية مؤقته، هذا التاجر وأمثاله هو من وعده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء".
**
سألت أحد علماء الفتوى بالأزهر عن حكم شراء الذهب بقصد الادخار فيه فقال: لا حرج أن يدخر الانسان ماله فى صورة ذهب، وإن كان الأولى استثماره فى مجالات الاستثمار المتعددة التى يحتاجها المجتمع، ولكن على كل من يدخر ماله فى الذهب أن يخرج زكاته حتى لا يكون من الكنز المذموم شرعا.. والكنز المذموم هو كل مال لم تؤد زكاته، والذهب الذى تؤدى زكاته ليس من الاكتناز المذموم.
لذلك نناشد كل من فَضًلَ ادخار ماله أو بعض ماله فى الذهب أن يخرج زكاته فالفقراء وأصحاب الحاجات فى أمس الحاجة الى هذه الزكوات الآن.. وطالما لم يكن الذهب بقصد التزين للنساء فعليه زكاة، وزكاته معروفة متى بلغ نصابا وهو 85 جراما من الذهب ومر عليه عام هجرى كامل فى حوزة من يدخره.. أما لو كان الذهب حليا للمرأة تتزين به ولم يكن بقصد الاستثمار والتجارة فليس فى الحلى زكاة، بشرط أن يكون في حد المعقول الذي لا إسراف فيه .. وزكاة الذهب المدخر تكون 2.5 % على إجمالي قيمة الذهب سنويا.
يقول د.نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ومفتى الجمهورية الأسبق: زكاة الذهب المدخر فى البيوت تسد حاجة ملايين الفقراء سنويا لو التزم كل من يمتلك الذهب ويحتفظ به بقصد الادخار بما أمر به الله سبحانه وتعالى.
فهل نستجيب لنداء الشرع ونخرج زكاة ما نحتفظ به من ذهب فى بيوتنا أو فى أى مكان آخر فكثير من خزائن البنوك مؤجرة الآن لحفظ الذهب على ما أشار إليه تقرير اقتصادى حديث.
هل نبادر بإخراج ما علينا من زكوات على المال أو الذهب أو التجارة حتى نسهم فى حل مشكلات الفقراء وأصحاب الحاجات؟
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار).