رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

* من الألف إلى الياء

شغلت فكرة تجسير الفجوات بين النظرية والتطبيق بال العديد من المفكرين والمهمومين بمستقبل المحروسة باعتبارها الطريق الأمثل لتدشين ركائز التحضر وتوطين الصناعات المختلفة ،وخلق كودار قادرة علي العمل والإنتاج،واستيفاء متطلبات عصر التكنولوجيا المتطورة والتحول الرقمي الفعال.

وبنفس القدر من الاهتمام طالب أبناء المحروسة المعنيين بالأمر بضرورة نقل الأبحاث العلمية من الأدراج والأرفف.. لدنيا الواقع وتشكيل لجان علمية متخصصة علي أعلي مستوي للاستفادة من نتائج وخلاصات هذا الجهد العلمي الكبير.

وظهرت دعوات متعقلة بضرورة الاهتمام بالابحاث العملية التجريبية، وتقليص أعداد الأبحاث النظرية، والتي تكدست خلال السنوات الأخيرة،دون جدوي أو فائدة مرجوه لأسباب عديدة،منها انفصامها عن الواقع، أحيانا وعدم وجود إرادة حقيقية لتوظيفها، وتجاوز التحديات والمعوقات البيروقراطية!.

كما تتزايد التطلعات بأن يضطلع رجال الأعمال بدورهم الوطني في دعم التنمية،و تغيير الصورة النمطية التي تري أن كثيرا من التجارب البحثية الجديدة تتعارض مع بعض المصالح الرأسمالية بالقطاع الخاص ،فهناك أبحاث علمية تحدثت عن توطين أصناف معينة من المنتجات الزراعية ،أوإنتاج وتصنيع العديد من المنتجات والأجهزة الإليكترونية،وقطع الغيار بهدف توفير العملة الصعبة وفرص العمل والتدريب،لكن هناك عراقيل جمة تحول دون تحقيق تلك الطموحات!.

وأتصور أنه آن الأوان لإخراج جيل جديد من الباحثين يشتبك مع قضايا المجتمع التقليدية والمستجدة،ويسهم في التخطيط الاستراتيجي الشامل، لخدمة مشروعات التنمية المستدامة والحياة الكريمة.
ولعل ما يدعم هذا الاتجاه أنه،وفي ظلال الجمهورية الجديدة ،هناك جهود متواصلة تدعمها إستراتيجيات وسياسات، سنقطف ثمارها قريبا لتعظيم الاستفادة من العلوم التكنولوجيا،والاتجاه نحو التعليم الفني التطبيقي الذي يتواءم مع متطلبات سوق العمل ويخرج أجيالا من المنتجين والمبتكرين والمبدعين.

ومع اتجاه الدولة لسياسات توطين الصناعة الوطنية، وزيادة الإنتاج، وإعادة التفكير جليا في تنمية ودعم التصنيع المحلي لتوفير العملة الصعبة وفتح فرص تصديرية ، فقد مهد الطريق، أيضا لاستيعاب آلاف المبتكرات والتجارب البحثية، والتي حصلت علي براءة اختراع، بعد الاختبارات العلمية اللازمة ،ودراسات الجدوي الاقتصادية وخاصة التي تعتمد علي الخامات والمواد الأولية المحلية.

ووفقا لمعطيات الواقع المتغير ،والأحداث المتسارعة ،فقد حانت اللحظة أن تفتح الإدراج ،وأن ينفض الغبار المتراكم عن الأبحاث العلمية التي أرهقت الباحثين، جهدا وأمولا ووقتا،وكلفت الدولة ومؤسساتها العلمية ومراكزها البحثية المختلفة عشرات المليارات !.

ولا ريب أن الأمنيات لا تتحقق إلا بالإرادة والعمل الجاد للتغلب علي كافة التحديات والمعوقات التي تحول دون تحول حصيلة الأبحاث وتوصيات الدراسات والتجارب العلمية لواقع ملموس في دنيا الناس ،يسهم في إحداث التغيير والتحديث والتطوير،والتحصن من التداعيات والتأثيرات السلبية للأزمات الاقتصادية الدولية بسبب استمرار الحروب والنزاعات الأممية ،وتعطل سلاسل الإمداد،وزيادة تكلفة السلع والخدمات.

وبالعودة قليلا لدروس التاريخ عبر مراحله المختلفة ،اعتبارا من العصور القديمة إلي عصر النهضة والثورة الصناعية، سنجد أن القاسم المشترك بين حضارات الأمس واليوم هو التوظيف الأمثل للعلوم التطبيقية ،وانتهاج العقلية العلمية والتفكير الإبداعي ،فقد كانت الدعامة الأساسية للحضارات العريقة، أما المجتمعات التي اعتمدت علي العلوم الأدبية والنظرية ،
فلم تحصد شيئا، واكتفت بالجلوس في مقاعد المتفرجين
،وقد كان هذا الاتجاه العملي نقطة انطلاق لتدشين الحضارة الغربية المعاصرة الفائقة،بما تحمله من محددات قوة وتميز.

وبالعودة لذاكرة مدرسة الحياة ،أتذكر أنه في عام 2015، استفزني أحد أساتذة أعضاء لجنة الحكم والمناقشة لرسالة الدكتوراه حول تطوير الرسالة الإعلامية بالصحف المسائية ، في إطار أبعاد المواطنة البيئية والتنمية المستدامة "دراسة تطبيقية".
وقال الأستاذ متجهما هل تعتقد أن نتائج دراستك وتوصياتها سيكون لها أثر في تغيير الواقع ،وهل يمكن توظيفها ضمن استراتيجيات تطوير الصحف القومية ؟!
قلت له بحزن شديد نعم أتصور أنها مفيدة انطلاقا من أهدافها لتطوير هذه المؤسسات ،ولكن أعلم أن مصيرها مؤقتا وبطبيعة الحال هو الإدراج مع سائر أخواتها من الرسائل العلمية الأخري،وحتي إشعار آخر !.
وشعر الدكتور محمد معوض أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس، "رئيس اللجنة" بشدة تأثري بالموقف وأشار إلي هون عليك، فلا يقلل هذا أبدا من جهدك في صياغة رسالة علمية رصينة وطرح أفكار مبدعة ،ربما تجد طريقها للتطبيق في يوم ما !

أتصور أن خروج نتائج وتوصيات الأبحاث والدراسات العلمية لتشتبك مع دنيا الواقع يظل هدفا ساميا لدي جميع الباحثين ،باستثناء قلة هدفها مجرد الحصول علي لقب الشهاده العلمية كنوع من الوجاهة الاجتماعية، أو للحصول علي كادر وظيفي ،بعيدا عن أهميتها ومردودها المجتمعي.
ووفقا لضرورات العصر أصبح لزاما علي كافة الجامعات والمؤسسات العلمية إيجاد آلية تضمن إحداث توازن بين
الأبحاث النظرية كمحددات للبناء الثقافي والوجداني، والأبحاث العلمية باعتبارها عناصر البناء الحضاري، بما يخدم مصلحة الوطن.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة