العالم يودع إليزابيث .. و بريطانيا تودع الاستقرار !!
•• عـــاش الـبـريـطـانـيـون والـعـالـم معهم أجـــواء أسطورية .. أعادتهم إلى العصور الوسطى وكأنهم يقرأون مسرحية لوليم شكسبير أو يشاهدون أحد أفلام هوليوود التاريخية !! .
١٠ أيام منذ وفاة الملكة اليزابيث الثانية فى قصر بالمورال باسكتلندا وحتى دفن جثمانها فى كنيسة سانت جورج الملحقة بقصر ويندسور بضواحى لندن .. كانت المشاهد تتوالى فى سيناريو يعيد للأذهان ما كـان يحدث فى العصر الامبراطورى والفيكتورى بأشخاص يرتدون ملابس الأمـراء والنبلاء وملوك المقاطعات الأوروبية .. وهوسيناريو أبهر الملايين الذين يعشقون الأجواء الأسطورية خاصة وأن أغلبهم لم ير
مثيلاً لتلك المشاهد طوال حياتة .. فالملكة على عرشها منذ ٧٠ عاماً و القليلون هم من حضروا جنازة والدها الملك جورج السادس عام ١٩٥٢ .. وحتى من شاهدوا جنازة رسمية مماثلة أُقيمت لوداع رئيس الوزراء السابق وينستون تشرشل فى منتصف الستينيات من القرن الماضى فانها لم تكن بنفس هذه الفخامة والنظام والتفاصيل التى شاركت فى وضعها الملكة الراحلة بنفسها قبل وفاتها وأوصت بتنفيذها واختارت نوعية الورود بلونها الأبيض التى توضع على نعشها وكذلك قامت بانتقاء الموسيقى التى ستعزف أثناء المراسم !! .
ودع البريطانيون ملكتهم التى ظلت طوال ٧ عقود رمزاً للحفاظ على التقاليد الامبراطورية والنظام الملكى .. وأحبوها لانها تمثل بالنسبة لهم آخر روائح الزمن الجميل و السلطة الملكية التى تذكرهم بالماضى الذى تسيدوا فيه العالم .. ورأوا فيها تاريخهم الذى تحكى عنه الروايات والأساطير وعاشوا معها طوال هذه السنوات وكأنهم هم الذين يقيمون فى قصورها الفخمة ويتجولون فى ربوع الضياع الشاسعة وسط الحدائق واسطبلات الخيول .. وينظرون إليها باعجاب مثل عارضة الأزياء أو « المانيكان » التى ترتدى أفخر الثياب وأزهى الألوان .. فالنفس البشرية تهفو دائما للحياة الرغدة والفخامة والثراء .. والأهم انهم يحبون حكايات وأسرار القصور الملكية وما يجرى فيها.. وهو ما كانت الملكة الراحلة حريصة دائما على ان تبدو صورة أسرتها نموذجية و تسارع بالتكتم على فضائح الأمراء .. وحتى التى لم تستطع أن تخفيها فانها تعالجها بحكمة وبهدوء تجعل المتطفلين من رجال الاعلام لا يتمادون فى نشر تلك الفضائح سواء التى كانت من شقيقتها الأميرة مارجريت أو من ابنتها الأميرة آن .. أو من ولى عهدها تشارلز وحكايتة مع كاميلا وخيانتة لزوجتة ديانا والتى أثرت كثيراً على شعبية العائلة المالكة لان الشعب كان يحب ديانا .. وربما كانت هذه الفضيحة أهم سبب لعدم تنازل االملكة عن العرش لتشارلز رغم تخطيها التسعين عاماً !! .
.. وبالتأكيد فان شغف العامة بالحياة الملكية فى أى دولة يفسر لنا سر حنين البعض فى مصر إلى عصر أسرة محمد على وحياة القصور والأمراء والأميرات وحكاويهم .. رغم كل ما يذكرة التاريخ عن فقر الشعب ومجتمع النصف فى المائة والإقطاع .. وفساد الحاشية وبعض الباشاوات .. وانشغال السراية عن الشعب ومغازلة الأحزاب للانجليز المحتلين .. فالناس يحبون ان يروا ويستمعوا إلى " حواديت " الأغنياء و أهل القمة ومن يعتبرونهم يولدون وفى أفواههم ملاعق من ذهب .. فربما يعطى ذلك للبسطاء شعوراً بانهم يعيشون نفس حياة الأثرياء أوكأنهم فى حلم جميل يلهيهم عما يجدونة من معاناة وشظف العيش !! .
لا تحسبن أن سكان القصور يعيشون حياة رغدة كلها هناء وحفلات ورقص وغناء .. فالناس لا يرون منها سـوى الـثـراء والـسـرايـات والحدائق والضياع والمجوهرات والسيارات الفارهة .. ولكن الحقيقة ان الملوك والأمــراء حياتهم مرسومة ومكبلة بالنظام والتقاليد والـبـروتـوكـول الخانق ويتحركون بل ويتنفسون بحساب ويتبعون تعليمات صـارمـة .. وذلك بخلاف المكائد و الدسائس و الصراعات والغيرة .. وربما هذا الجو هو ما جعل البعض من الأسـرة الحاكمة فى بريطانيا يتركون حياة الترف لينالوا حريتهم ويرتبطون بمن يحبونهم دون رقابة ولا " اتيكيت " و لاصراعات.. فالملك إدوارد الثامن عم إليزابيث تنازل عن العرش ليتزوج من إمرأة أمريكية أحبها ولولا هذا التنازل ما أصبحت ملكة لبريطانيا بعد والدها جورج السادس الذى أخذ مكان شقيقه " العاشق الولهان " الذى ضحى بالعرش ليحافظ على الحب .. ويبدو ان حب الأمريكيات تحول إلى ظاهرة لأمراء " آل وندسور" فقد أحب تشارلز عندما كان وليا للعهد سيدة أمريكية هى كاميلا كما أحب ابنه الأمير هارى الممثلة الأمريكية ميجان ماركل وتزوجها وفضل ان يحيا كما يعيش البسطاء وترك الحياة الملكية أو تم طـرده من القصور وجنة الملكة من أجل عيون محبوبته الأمريكية !! .
.. ورغم ان إكرام الميت دفنه إلا ان جنازة إليزابيث تمت بعد ١٠ أيام كاملة من الوفاة .. مما استدعى إجراء عمليات " أشبه بالتحنيط " لحفظ الجثمان من التحلل لحين وقت الدفن فى مراسم مهيبة شاهدها الملايين فى العالم وحضرها العديد من الزعماء والملوك والرؤساء وكبار المسؤلين من مختلف القارات .. وكان الأطباء الذين أشرفوا على عملية حفظ الجثمان يتعجلون الأمر خوفاً من التحلل رغم برودة الجو فى لندن هذه الأيام .. مما جعل الكثيرون يقارنون بين ماحدث لجثمان الملكة وما كان يفعله الفراعنة بعلمهم لملوكهم حيث تبقى الممياوات سليمة لآلاف السنين .. وايقنوا ان ما وصل إليه المصريون القدماء من علم وبراعة فى التحنيط سيظل لغزاً من الصعب فك شفرتة .. و يفوق ما توصل إليه العلماء الآن مع كل التقدم الذى تعيشة الانسانية فى العصر الحديث !! .
انبهر العالم بمشاهد الجنازة والمـراسـم .. واحترم مشاعر الشعب الانجليزى فى حزنه على فقد الملكة التى ظلت ٧٠ عاماً على العرش .. ومع ان هناك من أبناء الثقافات الأخرى من يرى أن هذه الطقوس قد عفا عليها الزمن .. وان الأزياء التى يرتديها الجنود والفرق الموسيقية لا تناسب العصر.. وان كسر العصا ووضعها على النعش لاعلان نهاية خدمة كبير أمناء البلاط الملكى هى عملية تمثيلية لا تتفق مع وقار الموت .. ولكنهم فى النهاية قالوا انها تقاليد انجليزية تاريخية لا يجب تسفيهها أو السخرية منها.. مع ان الغرب حينما يشاهد طقوس الأفارقة وقرع الطبول أو اذا حدث ورأوا من يرتدى الجلباب أو " الطربوش " سخروا منه ولم يحترموا تقاليد وطقوس الشعوب الأخرى !! .
.. وبالطبع فـان العالم كله يُشاطر البريطانيين احزانهم فى وفاة الملكة كانسانة أعطت شعبها كل حياتها ووهبت نفسها لخدمة بلادها.. ولكن بالنسبة لبريطانيا.. فتاريخها أسـود فهى دولـة استعمارية وكونت أمبراطورية لا تغيب عنها الشمس بالحديد والنار.. استعبدت الشعوب ونشرت العنصرية ونهبت خيرات الـدول ولم تعتذر عن احتلالها للعديد من البلدان ولـم تقدم تعويضات لملايين من الضحايا الذين غدرت بهم وقتلتهم بدماء انجليزية باردة وهم يدافعون عن بلادهم ويسعون إلى تحريرها من الاستعمار الجاثم على صدورهم !! .
لـم تكن الـدمـاء قـد جفت بعد فـى عـــروق الملكة حتى تم المناداة بولى عهدها ليتولى العرش .. فمن التقاليد فى الممالك انه فور اعلان " مات الملك " يتم على الفور الدعاء لخلفه الجديد " عاش الملك " .. وإذا كانت إليزابيث الثانية هى رمز الاستقرار فى بلادها وتماسك الشعب وحبه للأسرة المالكة .. فان البلاد بعدها ستواجه مصيراً مختلفا بدأ بالبريكست الذى حدث فى أواخـر عهدها بخروج البلاد من الاتحاد الأوروبــــى ثـم بفضائح حــزب المحافظين الحاكم واستقالة رئيس الـــوزراء بوريس جونسون وتولى ليزتراس رئاسة الحكومة بدلا منه قبل ٤٨ ساعة من وفاة الملكة التى كان آخر عمل رسمى لها هو لقاء " تراس " وتكلفيها بتشكيل الـوزارة .. ولان الأزمات لا تأتى فرادى فبعد جائحة كورونا جاءت الحرب في أوكرانيا مما أثر كثيرا على الاقتصاد البريطانى وزاد من البطالة والركود .. والأهم وجود أزمة طاقة وارتـفـاع أسعار الكهرباء والبنزين .. وتعانى الأسر البريطانية من الفواتير الباهظة والخوف من شتاء بارد مع أن رئيسة الوزراء أعلنت تثبيت أسعار الوقود لعدة أشهر !! .
التحدى الأكبر أمام الملك تشارلز الذى يعتبر أكبر من تولى العرش سناً هو الحفاظ على تماسك الأسرة ومنع تفكك العائلة خاصة فى ظل نداءات عديدة بانهاء الملكية فى البلاد وإعلان الجمهورية حيث ان الأعباء الملكية تكلف الشعب الكثير من الأمـوال اضافة إلى العقارات والضياع والقصور التى يمتلكونها وكذلك فان كل البط والدلافين التى تعيش فى نهر التايمز هى من الممتلكات الخاصة للملك ومع ذلك يقولون انهم دولة ديمقراطية .. ومع حب الناس لملكتهم إلا أن سيفاجأون بعد انتهاء الأحـــزان أن جنازتها تكلفت مالا يقل عن ٦ مليارات دولار فى ظل الأزمة الاقتصادية .. وان حفل تنصيب الملك تشارلز الذى لم يحدد موعده من المنتظر أن يُحمل خزينة الدولة مليارات أخرى يتم تغطيتها من الضرائب التى يدفعها الشعب !! .
بعد وفــاة الملكة المحبوبة ستبدأ العديد من دول الكومنولث فى طلب الانفصال عن التاج الملكى مما يعنى تقلص عدد الدول إلى أقل من ٥٦ دولة موجودة حالياً.. وربما وصل الأمر إلى خروج واحدة من الدول الرئيسية مثل كندا واستراليا ونيوزيلندا !! .
شهدت إليزابيث خلال فترة جلوسها على العرش زوال الأمبراطورية البريطانية ونهاية الاستعمار والعنصرية .. لكنها حافظت على استقرار بلادها وتماسك شعبها الذى أحبها رغم أنها أرتـدت التاج ٧٠ عاماً متواصلة .. فهل يحافظ تشارلز على إرث والدته أم أن الزمن قد تغير والعمر لن يسعفه فسنه ٧٣ عاماً و ليس من المنتظر أن يظل على العرش كأمه الملكة .. فهل بــدأت بريطانيا العظمى السنوات الصعبة ؟! .