لوجه الله
الفتوى كما تعلمنا من فقهاء الأمة العظام صناعة وحرفة تحتاج الى علم شرعى وثقافة عامة متنوعة، وحس إنسانى واجتماعى يجعل المفتى دائما يدرك مشكلات الناس وهمومهم وما يشرح صدورهم ويجذبهم الى الاهتداء بهدى الإسلام مهما أحاطت بهم المشكلات والأزمات.
وعلماء الإسلام الذين أدركوا قيمة ومهام المفتى الحقيقية التفت حولهم الجماهير فى كل مكان واستطاعوا أن يهدوا كثيرا من الناس الى هداية شرع الله وأن يصرفوهم عن السلوكيات الخاطئة التى توارثوها وأدمنوها وأبعدتهم كثيرا عن هداية السماء.
لكن للأسف ما زالت ساحة الفتوى تعانى من نوعية غريبة نصبوا أنفسهم علماء وباحثين ومتحدثين باسم الإسلام.. وهم لا يجسدون الصورة الصحيحة للإسلام وأحكامه وآدابه وأخلاقه ورسالته في حياة كل من يؤمن به ويلتزم بهدايته.
ولأنه أصبح من الصعب الآن فى ظل الانفتاح الاعلامى وانتشار مواقع التواصل الاجتماعى منع الأدعياء والمتسلقين من اقتحام ساحة الفتوى وحماية الجماهير من جهلهم أصبح من الضرورى نشر مواقع الفتوى الصحيحة عبر وسائل التواصل بين الناس ووضع الخطط اللازمة لمطاردة أدعياء الفتوى الذين يبحثون فى كتب الفقه القديمة عن كل ما هو غريب ولا يتناسب مع العصر وصادم للمشاعر ليطرحوه على الناس من أجل إثارة الجدل حوله، وإعطاء صورة غير صحيحة عن تعاليم شريعتنا الغراء التى جاءت خاتمة للشرائع السماوية والتى تشع تعاليمها يسر ورحمة ورأفة وعدل بين كل الناس وتقر وتعترف بحقوق غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى وترفض وتدين كل صور التشدد الدينى والإرهاب الفكرى التى يمارسها بعض الجهلاء بإسم الدين.
ولا يقل خطورة عن هؤلاء الجهلاء الأدعياء بعض الذين درسوا فى الأزهر ويبحثون عن كل ما يثير الجدل والخلاف لطرحه على الناس من باب إثبات الوجود وإلقاء الأحجار فى المياه الصافية المستقرة من أجل تعكيرها لينصرف عنها الجميع.
**
حاورت خلال مسيرتى الصحفية الطويلة العديد من كبار رجال الفتوى من داخل مصر وخارجها، وطرحت عليهم قضايا وإشكاليات فرضت نفسها على واقع المسلمين خلال العقود الخمسة الماضية، وأدركت من إجاباتهم على ما طرحته من تساؤلات محاولاتهم المستمرة ربط الحكم الشرعى بالواقع الذى يعيشه الناس، ومن هنا لم أسمع من كثير منهم اجتهادا صادما للمشاعر، ولا فتوى غريبة تخالف ما استقر عليه جمهور الفقهاء.. حتى الآراء والاجتهادات التى كانت تخالف رأى جمهور الفقهاء كانوا يذكرونها من باب الأمانة العلمية وكانوا فى النهاية يفتون بما يقول به جمهور الفقهاء، وكانوا يستدلون فى كثير من القضايا الحياتية بما استقر عليه الرأى فى المجامع الفقهية وفى مقدمتها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ومجمع الفقه الإسلامى الدولى التابع لمنظمة التعاون الإسلامى.
لذلك سيظل الرأى الفقهى الشارد عن الإجماع غير مرغوب فيه، فالأمر هنا يتعلق بالدين والناس تتحوط فى أمور الدين حتى لا تنزلق الى تطبيق أحكام فقهية لا تنطبق على ظروفها، أو لا يتوافر فيها الأمان والالتزام الشرعى الذى ينبغى أن نحرص عليه جميعا.
للأسف.. بعض الفتاوى التى أثارت جدلا وخلافا خلال الأيام الماضية كان يبحث أصحابها عن "الشو الإعلامى" بعيدا عن أمانة الحكم الشرعى.. فهناك من أفتى بجواز التضحية ب(ديك) وهو رأى قد يكون موجودا فى بعض كتب الفقه لكنه للأسف لا يحقق أهم المقاصد من الأضحية وهو: إطعام الأهل والأقارب والأصدقاء والفقراء.. فكيف يتحقق إطعام هؤلاء جميعا بديك لا يكفى لإطعام لأسرة المضحى فى وجبة واحدة؟!.
والبعض أفتى بأن الزوجة غير ملزمة بشغل البيت وخدمة الزوج.. وهو رأى موجود فى الفقه الإسلامى.. لكن كثيرا من الفقهاء لا يفضلون القول به خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التى لا تسمح لكثير من الأسر الاستعانة بخادمة.. وكان الأولى بهؤلاء المفتين أن يحثوا الرجال على مساعدة زوجاتهم فى الأعباء المنزلية بما يجيدونه من الأعمال والمهام، وحسب ظروف كل رجل، كما كان يفعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حيث نقلت لنا السيدة عائشة رضى الله عنها "أنه كان فى خدمة أهله" أى يساعد زوجاته بما يستطيع فى الأعمال المنزلية.. فليس من مصلحة الأسرة ولا من هداية الدين تشجيع الزوجات على التمرد على واجباتهم المنزلية فى وقت تواجه فيه معظم الأسر ضغوطا اقتصادية صعبة تتطلب تعاونا كاملا بين الزوجين لترشيد نفقات الأسرة.
***
منذ أيام صدمت بفتوى تقول" من واجب الزوجة القادرة ماديا أن تتصدق على زوجها من مالها الخاص للوفاء بمتطلبات الأسرة" وقد يكون الحكم الشرعى هنا صحيحا، فالزوج هو المكلف شرعا بالإنفاق على الأسرة من زوجة وأولاد.. لكن تظل كلمة (تتصدق) صعبة على مشاعر وكرامة أى رجل.. فهل من المودة والرحمة التى جعلها الله أساس العلاقة الزوجية أن تشعر الزوجة زوجها بالمهانة وتتصدق عليه بمال سيئول النصيب الأكبر منه إليها والى أولادها؟
وهنا يظهر الفارق الكبير بين مفت وآخر.. فالمفتى الذى يبحث عن حكم فقهى فقط سينظر الى مساعدة الزوجة لزوجها فى وقت عثرته على أنها صدقة أو سلفة.. والمفتى الذى يغلف فتاوه بالحس الانسانى والاجتماعى سيطالب كل زوجة أن تساعد زوجها المتعثر فى نفقات البيت من باب حسن المعاشرة والتعاون بين الزوجين.. والنصوص القرآنية والنبوية التى تحث على ذلك كثيرة ومتنوعة.
فى لقاء مع العالم الأزهرى الراحل الشيخ محمد الغزالى- رحمه الله- سألته: هل الزوج ملزم بنفقات حج زوجته؟
رد وعلامة الغضب على وجهه: يعنى تخدمة طوال العمر ويسافر يحج ويتركها؟!.. الزوج يجب أن يكون كريما مع زوجته ومن مظاهر هذا الكرم أن يصطحبها معه للحج من ماله ودون أن يتركها تنفق جنيها واحدا من مالها الخاص.. فالانفاق على الزوجة فى رحلة تعبدية مثل الحج من أبرز صور المعاشرة بالمعروف المشار إليها فى قوله تعالى "وعاشروهن بالمعروف".
لذلك.. يجب أن يتوقف من يتصدون للفتوى عن ترديد أحكام من نوعية: ( الزوج غير ملزم بنفقات حج زوجته) و(الزوج غير ملزم بنفقات علاج زوجته)،و(الزوجة غير ملزمة بخدمة زوجها)..و(الزوجة غير ملزمة شرعا بإرضاع طفلها ومن حقها طلب أجرة على الارضاع).. فمثل هذه الأحكام حتى ولو كانت اجتهادات لبعض الفقهاء فهى تصدم المشاعر وتعطى انطباعا غير صحيح عن طبيعة العلاقة بين الزوجين فى منظور الإسلام.
الحس الإنسانى والاجتماعى أحد أهم لوازم الفتوى ويجب أن نغلف به أحكامنا الشرعية خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين وبين الآباء والأبناء.. بل بين الناس جميعا.