لا فائدة من الشكوي طوفان الغلاء يفرض علينا ترشيد الانفاق
طوفان الغلاء يجتاح العالم كله.. والمواطنون فى أكثر دول العالم رخاء واستقرارا اقتصاديا يعانون من ارتفاع أسعار كل شىء منذ انطلاق الحرب فى أوكرانيا، ولذلك لن تفيد الشكوى من ارتفاع الأسعار، ولن تحل لنا الشكوى مشكلة لا على المدى القريب أو البعيد، إذا لم نغير أنماط حياتنا الاستهلاكية، ونتعامل بوعى مع التحديات الاقتصادية.
هذه حقيقة يجب أن ندركها جيدا حتى نكون عمليين وواقعيين ونتخذ الخطوات الصحيحة لمواجهة موجات الغلاء المتتالية، وفى مواجهة هذه الخطوات( ترشيد الاستهلاك) وهذا الترشيد الذى أصبح واجبا وحتميا فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى نعيشها لا ينبغى أن يقتصر على ترشيد استهلاك الطعام والشراب فقط، بل ينبغى أن يشمل كل مجالات الانفاق المختلفة، فالذين يتضررون من ارتفاع أسعار الوقود بكل أشكاله عليهم أن يرشدوا استخدام مركباتهم الخاصة من سيارات وغيرها، فلا تزال شوارعنا للأسف تكتظ بالسيارات الخاصة التى تسير براكب واحد فقط، وسواء أكان استخدام السيارات فى الوصول الى مكان العمل أو فى جولات ترفيهية أو تسويقية أو قضاء مصالح علينا أن نغير نظرتنا لاستخدام السيارات الخاصة وأن نفكر فى الاستعاضة عنها بمواصلات عامة أصبحت متاحة الآن ومتنوعة وبعضها أسرع كثيرا من السيارة الخاصة بسبب زحام الطرق.
أعرف عددا من الجيران والأصدقاء بدأوا من عدة أشهر فى عمل مجموعات تذهب الى أعمالهم المتقاربة فى المكان بسيارة واحدة.. إما مستأجرة وتوزع أجرتها عليهم جميعا، وهى بالتأكيد لا تكلفهم استهلاك ربع تكلفة البنزين الذي يستهلكونه فى سياراتهم الخاصة لو ذهبوا بها.. أو الاستعانة بسيارة خاصة واحدة بالتناوب بحيث لا يستخدم أحدهم سيارته إلا مرة واحدة كل خمسة أيام.. وهو أسلوب ترشيدى رائع بدأ ينتشر بين الموظفين خاصة فى المدن المزدحمة بالسيارات مثل القاهرة والأسكندرية والجيزة وغيرها وكل من جربه يشيد به.
****
ترشيد الانفاق فى ثقافتنا كمصريين لا يقف عند أبعاده الاقتصادية فقط.. بل له منافع ومكاسب صحية لو تعلق الأمر بالطعام والشراب والدواء، فكثير منا لا يحسن التعامل مع نعم الله، وبعضنا يسيىء التعامل مع الدواء ويستهلكه بعشوائية تضر بصحته وأمواله معا، وهو سلوك خاطىء يحتاج الى مراجعة فى كل الظروف والأحوال، كما يجب أن نراجع سلوكنا السفهى فى التعامل مع الغذاء سواء استمرت تداعيات الحرب وتزايدت أسعار وتكلفة معيشة الإنسان، أو خلصنا الله منها وعادت الأمور طبيعية، وإن كان معظم خبراء الاقتصاد فى العالم يؤكدون استحالة عودة أسعار الغذاء وتكلفة المعيشة الى ما كانت عليه قبل الحرب فى أوكرانيا.
لذلك لا ينبغى أن تتوقف الدعوات والنصائح والتوجيهات والفتاوى التى يطلقها علماء الدين لترشيد الانفاق ووقف السفه الاستهلاكى بكل أشكاله.. فالاعتدال مطلب شرعى، والإسراف مذموم في كل الأحوال بصرف النظر عن حالة الإنسان المادية، فليس معنى أنك تمتلك الكثير من الأموال أن تنفق على نفسك ومن تعول بسفه، هذا سلوك يرفضه الشرع ويدينه وينبذ فاعله.. فديننا يأمرنا بالاعتدال فى كل شىء وخاصة فى الطعام والشراب، والله سبحانه وتعالى يمتدح عباده المؤمنين الذين يتبعون طريقا وسطا في كل تصرفات حياتهم، وفي إنفاقهم للأموال التي استخلفهم الله عز وجل عليها، فيقول سبحانه: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً".. أى أنهم فى إنفاقهم يتبعون طريقا وسطا من غير إفراط ولا تفريط، فلا يميلون إلى الإسراف في نفقاتهم حتى ولو كان ذلك على أهليهم وأولادهم، ولا يبخلون بما أتاهم الله من فضله، لأن البخل مذموم شرعا، كما أن السفه مذموم.. يقول الله تعالى عن البخلاء: "وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، ومن وصايا الخالق سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا".. وبذلك يحدد الدين طريق الانفاق السوى، وهو أن يكون الإنسان وسطا في جميع تصرفاته، لقوله تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً".
****
خبراء الاقتصاد فى العالم يؤكدون على ضرورة مراجعة السلوك الاستهلاكى فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى يعيشها العالم، فقد انتقلت الحرب فى أوكرانيا بشعوب العالم من مرحلة الى مرحلة أخرى أكثر صعوبة، حيث شح الغذاء عالميا وارتفعت تكلفة انتاجه ونقله وتداوله، وبالتالى لم يعد هناك بدا من ترشيد الاستهلاك، فالسفه الاستهلاكى له تأثير كبير على الحالة الاقتصادية للأسرة والمجتمع والدولة، وأصبحت معظم دول العالم تعيش معاناة معيشية حقيقية، حيث يصعب أن تفى دخول مواطنى تلك الدول بالتزاماتهم المعيشية، وخزائن الدول أصبحت مثقلة بالأعباء، ومهما تنوعت الحزم الاقتصادية للمواجهة فسوف تنعكس حتما على مستوى معيشة معظم مواطنيها.. من هنا فسوف تعانى حتما تلك الأسر التى تعودت على نمط معين من الاستهلاك إذا لم ترشد نفقاتها، وفى مجتمعات كثيرة الآن تمتلك بعض الأسر المال، ولكنها لا تجد فى محلات بيع الطعام ما يلبى احتياجاتهم التى تعودوا عليها، ومن هنا أصبح الاعتدال فى الاستهلاك وتعويد النفس على تلبية احتياجاتها الغذائية دون سفه هو الموقف الصحيح والمفيد للإنسان فى كل الأحوال.
ولذلك يجب على الأسر التى تمتلك القدرة المادية أن تكف عن السباق المحموم فى الانفاق الترفى المستفز، وأن تقوم بواجب التكافل الاجتماعى والانسانى مع الفقراء، حتى نجسد المعانى الحقيقية لتعاليم ديننا.. وعلى القادرين ماديا أن يدركوا
أن الإسراف فى الطعام يجلب كما هائلا من الأمراض الخطيرة للإنسان، وهنا يجب أن يتسابق أطباء القلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمى والكبد والكلى والصحة العامة وغيرهم فى رصد الأمراض الناتجة عن الإسراف فى الطعام والدواء وتبصير الجماهير بها لعلها تحد من النهم الاستهلاكى الضار بنا صحيا واقتصاديا.