رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

(معاً للمستقبل)

تمر بنا بعد غدٍ الذكرى السبعون لثورة يوليو 1952؛ وهي مناسبة وطنية بامتياز، ذلك أنها كتبت بمداد من الشجاعة والوطنية كلمة النهاية لعصر الإقطاع والمَلكية، وسطرت بأحرف من نور بداية التحرر الوطنى والاستقلال ليس لمصر وحدها بل للقارة السمراء بأكملها.

ومن حسن الطالع أن يوليو شهر المناسبات الوطنية؛ ذلك أنه وبعد أكثر من 60 عاماً وتحديداً في 3 يوليو 2013 خرجت جموع المصريين لتفويض القائد عبدالفتاح السيسي للقضاء على الإرهاب وكتبت تلك الإرادة الشعبية نهاية حكم الإخوان الذي لم يستمر سوى عام واحد أظهر فشلها التام في إدارة شئون البلاد وكشف عن نواياها الحقيقية في السيطرة والتكويش على كل شيء؛ السلطة والمناصب القيادية والوظائف المهمة وإقصاء ما عداها، ناهيك عما تسببت فيه من فوضى و استقطاب حاد وانقسام كاد يدخل بمصر إلى نفق مظلم لا عودة منه لولا عناية الله بهذا البلد وإرادة شعبه وقيادته وتماسك صفوفه ووعيه الفطري بخطورة ما يراد لمصر والمنطقة كلها.


وبين التاريخين يوليو 1952 ويوليو 2013 جرت في نهر السياسة مياه كثيرة وخاضت مصر ولا تزال معارك عصيبة لأجل مزيد من الاستقلال والبناء والتقدم وتحقيق حلم كل مصري في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وصولاً لجمهورية جديدة تبتغي الحياة الكريمة للجميع.


ومع تجدد ذكرى يوليو من الطبيعي أن يتبادر للأذهان سؤال محوري: ماذا حققت ثورة 23 يوليو ..وفيمَ أخفقت..؟!
ويجيبنا التاريخ هنا بأن ثمة ثلاث مراحل رئيسية في الفترة من يوليو 1952 وحتى اليوم؛ أولاها المرحلة الناصرية ( 52- 1970)، وثانيتها الساداتية والمباركية ( 71- 2010 ) ثم أحداث يناير 2011 وما تبعها من تحولات قادت إلى ثورة 30 يونيو الشعبية التي صححت المسار وأزاحت حكم الإخوان.


ما أكثر ما كُتب عن ثورة يوليو 52 من كتب ودراسات ومقالات، سواء بأقلام رجال الثورة، وقد كانوا بارعين في الكتابة ولهم حولٌ وطولٌ في الثقافة والأدب، أو بأقلام خصومها أو بأقلام صحفيين أحبوا عبدالناصر وآخرين كرهوا سياسته وعادوا أفكاره ومشروعاته..وهي كتابات من الكثرة حتى يكاد المرء يتوه في مساراتها، ولكل واحد من هؤلاء شهادته وشهوده ووثائقه وحججه وأسانيده..وأياً ما كانت مواقف هؤلاء واتجاهاتهم السياسية فإنه لا خلاف أن ثورة يوليو كانت فاصلاً بين عهدين، عهد الملكية الإقطاعية وعهد الجمهورية الأولى لمصر.


وأياً ما كان موقف هؤلاء من ثورة يوليو، قدحاً أو مدحاً فلا ينبغي أن يغيب عنا ونحن نطالع كتاباتهم أن ثوار يوليو كانوا بشراً يخطئون ويصيبون، لهم أحلامهم وأطماعهم ونقاط قوتهم وضعفهم.. لكن أليس ما يثار من جدل لم ينقطع منذ رحيل عبدالناصر في سبتمبر 1970 دليلاً على عظمة تأثير تلك الثورة في حياة المصريين ؟!.
ورأيي أن هذا الجدل سلباً أكان أم إيجاباً حول شخصية "ناصر" وعهده وما فعله من أحداث جسام أمر طبيعي؛ فلم يكن ناصر شخصاً عادياً بل كان استثنائياً فرض شخصيته على مسارات الأحداث في عصره بل ربما صنع بنفسه أو شارك في صنع تلك الأحداث، تاركاً بصمة يستحيل أن تُمحَى بعد أن مدّت آثارها العميقة والخطيرة ليس في مصر وحدها بل في منطقتها وقارتها والعالم الثالث بأسره.


وستبقى ثورة يوليو واحدة من أعظم ثورات العصر؛ إذا نحن قسناها بحجم التغيرات الجذرية في المجتمع المصري وصولاً للمجتمع العربي والإفريقي وانتهاءً بأمريكا اللاتينية والهند وغيرهما من البقاع المتعطشة للتحرر الوطني والتي استلهمت أفكار ناصر ودعوته للحرية والاستقلال والخلاص من نير الاستعمار الأجنبي الباطش الذي لم يكن وارداً في مخططاته أن يتخلى عن تلك الأرض لأصحابها لولا قيام ثورة يوليو التي أشعلت النار وزلزلت الأرض تحت أقدام المحتلين.


لثورة يوليو أمجاد وإنجازات يستحيل طمسها أو إخفاء معالمها، وسوف تبقى دواءً لكثير من أدوائنا.. ولها في المقابل إخفاقات وأخطاء شأنها شأن أي عمل بشري لا يصح إنكارها..لكن لا يصح أيضاً أن يتخذها البعض ذريعة للنيل منها وإهالة التراب عليها وتجريدها من كل حسناتها بمناسبة وبغير مناسبة فهذا ظلم فادح لا ينال من ثورة يوليو بقدر ما ينال من مصر ذاتها باعتبارها الأم الحقيقية.


وحتى يكون الحكم على ناصر وثورته عادلاً ومنصفاً فلابد أن ينهض على أسس تقييم موضوعي دقيق وأمين لنحو 18عاماً من عمر مصر وأمتها العربية..وليس من الحق أن يدعي البعض أن ازدهار الثقافة والفنون في العهد الناصر إنما يرجع لرعاية الدولة لها حتى تكون لسان حال المشروع القومي والثوري؛ فالضباط الأحرار كانت لهم علاقات وثيقة بالثقافة؛ فمنهم من وقع في حبها قبل الثورة، ومنهم من امتهن الكتابة والإبداع؛ فعبدالناصر نفسه كانت له محاولات للكتابة في المسرح والرواية، وله قصة بعنوان "في سبيل الحرية" بدأها وهو لا يزال طالباً في الثانوية، وتناول فيها معركة رشيد، ثم كتب " فلسفة الثورة" ، و"يوميات عن حرب فلسطين" ولا ننسى ما قاله ناصر حين سئل بعد قيام الثورة عن المفكرين الذين أسهموا في تكوين أفكاره فاستشهد برواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم.


أما جمال حماد الذي كتب بيان ثورة يوليو فقد كان صاحب قلم متميز ترك وراءه مؤلفات قيمة، وله أيضاً فيلم قوي ومشهور وهو "شروق وغروب" ..كما أن السادات الذي قرأ بيان الثورة كان محباً للثقافة والفكر حتى أنه قبل الثورة عمل بالصحافة حين فصل من الجيش، وحين أصدر "ناصر" جريدة الجمهورية كان السادات مديرها وترك وراءه كتاب "البحث عن الذات"..أما يوسف صديق أحد أهم أسباب نجاح الثورة فكان شاعراً مجيداً، كما أن ثروت عكاشة أشهر وزراء الثقافة في العهد الناصري فقد ألّف ترجمات لأعمال جبران خليل جبران فضلاً عن مؤلفاته عن عصر النهضة في أوروبا في موسوعته المشهورة " العين تسمع والأذن ترى" ..وكان سامي شرف ذا قلم متميز وكتابه المشهور " أيام وسنوات مع عبدالناصر"..كما كان لأحمد حمروش الذي تولى شأن الفنون والمسرح كتابان هما : " حرب العصابات" و" خواطر عن الحرب" وقد أهدى الأول للمناضلين في أوطانهم عام 1947، والآخر لزملائه تحت تراب فاسطين.


لقد كانت ثورة يوليو حلما راود المصريين طويلاً، وسرعان ما باركوا ما قام به الضباط الأحرار وانضموا إليهم، ولسوف تبقى مثار احتفائهم وفخرهم؛ أما الحفاوة فلها أسبابها التي لا تُنسى. وأما الفخر فله بواعثه التي لا تخفي، وبين الفخر والحفاوة هناك من يتحفظ وهذا حقه ومعه مبرراته..وثمة من ينتقد أو حتى يهاجم وله دوافعه وأسانيده وقناعاته تجاه الثورة.. وتلك مسألة صحية، فالاختلاف في الرؤى والتوجهات والمواقف أمر طبيعي البشر..وسنة الله في خلقه "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود: 118).


كما أن الاختلاف في الرؤى أمر مقبول وربما تضاءل أيضاً كلما تقادم العهد بها؛ فيظهر مزيد من الحقائق ويتبدد كثير من الأوهام وتبين للناس الحقيقة على وجهها الصحيح كما أن الخلاف في الآراء يثري الأحداث ويكسبها مزيداً من الحيوية والخلود والقيمة التاريخية.


ويبقى أن ثورة يوليو عمل بشري يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ؛ وقد أصاب فيها من أصاب وأخطأ من أخطأ وارتفع بها من ارتفع وهوى من هوى، وربح من ربح وخسر من خسر، ومن هنا تتباين المواقف بين تأييد وقبول، ورفض وتحفظ، وكل طرف يبني مواقفه وقناعاته انطلاقاً مما حققته له الثورة من مكاسب أو نزعته من مزايا ورغم ذلك سوف تظل ثورة مجيدة ونقطة تحول فارقة في تاريخ مصر والمنطقة كلها..وليس بوسع أي منصف إلا أن ينحني لها إجلالاً عرفانا بما صنعته من منجزات سياسية واقتصادية واجتماعية وما حققته من تغييرات جذرية في حياة شعبنا وشعوب المنطقة والقارة بأسرها التي استلهمت منها روح التحرر والتخلص من فكاك الاستعمار البغيض.


ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن نعيد التذكير بأمجاد تلك الثورة ونبين للأجيال الجديدة حقائق تاريخية لم يعاصروها وترتبط بحدث مفصلي شديد الأهمية وأن نحثهم على إعادة قراءة تاريخنا دون قناعات مسبقة أو انحيازات مطلقة حتى لا يقعوا في شراك الزيف ولي أعناق الحقائق والعبث بتاريخ الأمم والشعوب..حتى يمكنهم الإجابة عن سؤال مهم: هل يُكتب تاريخ الثورات بحياد وموضوعية أم تحكمه الأهواء والنوازع حتى أن البعض يصبغها بلون السياسة والهوى..؟!
ومن فضائل ثورة يوليو أنها مكنت الشعوب من حق تقرير المصير وأنهت موجات استعمار أذاقت البشر في مصر والإقليم كله مرارة العبودية وذل الاحتلال.


وبصرف النظر عن صحة ما يردده البعض من أن الثورة أكلت بنيها فإن أبناء الثورة أيضًا اختلفوا معها، لكنها في كل الأحوال كانت في بدايتها حركة قام بها بعض الضباط الأحرار وسرعان ما انضم إليهم أبناء الشعب ولا يجادل أحد فيما حققته من تصنيع شق طريقه وسط الصعاب وإصلاح زراعي واجتماعي وفرص عمل ووظائف حكومية تبوأتها طبقات مختلفة وفي القلب منها الفئات الكادحة التي كانت نواة صلبة للطبقة الوسطى.


ورغم كل المزايا فلا يمكن أن ينكر منصف ما وقعت في ثورة يوليو من أخطاء اعترف بها قادتهم أنفسهم؛ وهو ما جرها لانتكاسات كبرى لولاها لكانت تلك الثورة من أمجد أيامنا التاريخية ..ويجب ألا ننسى أيضاً أزمة مارس 53 التي أنهت شهر العسل بين رفاق يوليو صناع الثورة ومفجريها الذين استحال وفاقهم خلافاً وصراعاً شرساً انقسموا في إثره لفريقين لكل منها وجهة نظر تحترم، أما أحدهما فكان صاحب الأغلبية داخل مجلس قيادة الثورة وترأسه جمال عبدالناصر الذي كان من رأيه تمديد الفترة الانتقالية سنوات أخرى حتى تكتمل أهداف الثورة ومبادئها الستة التي قامت لأجلها .. أما الفريق الآخر فقد تزعمه اللواء محمد نجيب أعلاهم رتبة في ذلك الوقت ومعه خالد محيي الدين ويوسف صديق والذين كانت نهايتهم دراماتيكية حيث أقيل نجيب أول رئيس للجمهورية وتحددت إقامته في فيللا بالمرج، ولزم صديق بيته معرضاً عن إتمام المشوار مع الثوار، ولم يشفع له أنه أنقذ الثورة والرفاق من حبل المشانق لو فشلت في لحظاتها الأخيرة التي خاطر فيها بروحه حين اقتحم مقر القيادة العامة للقوات المسلحة..وحسناً فعل الرئيس السيسي حين أعاد الاعتبار لذلك الرمز الوطني والثوري المرموق بمنحه قلادة النيل أثناء أحد احتفالات الحربية بتخريج دفعة جديدة، ولم يكتف الرئيس بذلك بل أطلق اسم اللواء نجيب على أكبر قاعدة عسكرية غرب البلاد ليصحح أوضاعاً تاريخية خاطئة ويرفع الظلم عن بعض قادة يوليو الذين لولاهم ما قدر النجاح لهذه الثورة، وهو تكريم يجبر خواطر رفاق الثورة وذويهم.


ويبقى أننا في حاجة لتوثيق أمين ومنصف ومحايد لثورة يوليو التي تجهلها الأجيال الجديدة ولا تعرف عنها إلا ما يرد في كتابات متناثرة بين الحين والآخر..ويكفيها أنها حققت للشعب ما لم يكن يحلم به ولولاها ما تملك الفلاحون أرضًا وما تعلم أبناؤهم ونحن مثلهم بالمجان في مدارس وجامعات تخرج فيها نوابغ كثر منهم مشرفة وزويل ويعقوب والباز وغيرهم ..وللحق فإننا مدينون لتلك الثورة بالكثير والكثير رغم أنها لم تحقق كامل أهدافها وأهمها في رأيي وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة لكن ورغم ذلك فمن حقها علينا أن نعيد التذكير بفضائلها لتظل حية في الذاكرة الشعبية بحسبانها تاريخاً مجيداً لا يصح نسيانه أو تجاهله أو السماح بتشويهه فمن ليس له ماضٍ فليس له حاضر ولا مستقبل ومن يقرأ التاريخ ويعرفه حق المعرفة يتسلح بالوعي ويتحصن بالمعرفة ويدرك بعمق حقيقة ما جرى في مصر وما أريد لها وما يراد بها ..وهذا هو سلاحنا الأقوى في مواجهة حرب الشائعات وتشويه الرموز وإهالة التراب على كل شيء مضيء في بلادنا ليسهل التأثير في شعبها وضرب جبهته الداخلية لتنفيذ مخططات أهل الشر..أفيقوا يا مصريين واستمسكوا بتاريخكم الحق وافتخروا به فهو يستحق أن تفاخروا به الدنيا كلها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة