(معاً للمستقبل)
اكتشاف المواهب المتميزة والعقول الفذة في كل المجالات من أعظم أسباب التقدم وهو أمر يحرص عليه الرئيس السيسي الذي طالب بمزيد من البرامج التي تركز على تلك المواهب، مشيداً ببرنامج "العباقرة"؛ بحسبان الأفكار الخلاقة والإبداع والتنافس الشريف يحقق قيمة مضافة ويخلق ثروة حقيقية وكنزاً يمكنه إذا أحسن استثماره وتوظيفه أن يبني نهضة حقيقية لأي أمة؛ فالبشر هم كلمة السر في سباق التقدم.
ومن حسن الطالع أن مصر غنية بكفاءات ومواهب تبدع وتبتكر في مختلف الأعمار والفئات، ودائما ما تطالعنا الصحف والمواقع بأخبار هؤلاء المخترعين لاسيما شباب الجامعات الذين يقدحون زناد عقولهم ليخرجوا لنا خلاصة عقولهم القادرة دائماً على صنع الفارق إذا ما وجدوا من يكتشفهم دون واسطة أو محسوبية ثم يحتضنهم ويكفل لهم ما يحتاجونه من رعاية ودعم لتحويل أفكارهم إلى منجزات ومخترعات تشتد حاجتنا إليها في ظل الظروف العالمية شديدة التغير والاضطراب.
صحيح أن لدينا حاضنات أفكار تدعمها الدولة..لكنها لا تزال في حاجة لمزيد من الدعم والتمويل من مجتمع المال والأعمال حتى تخرج للنور طاقة إبداعية هائلة قادرة على تقديم حلول لمشكلات طال استعصاؤها..ووضع مصر في المكان اللائق بها.
ولعل ما نراه من نماذج فردية موهوبة شقت طريقها الصعب نحو القمة وأفلتت من الروتين وأعداء النجاح وأبدعت حتى صارت ملء السمع والبصر في العالم كله..وخلقت حالة أمل ووعي وقدمت قدوة حقيقية قادرة على بعث إرادة وهمة الأجيال، كما منحتنا سعادة وطاقة إيجابية هائلة وتفاؤلًا بالمستقبل؛ وهو ما يفسر لنا حرص الرئيس ودعوته لتبني المواهب المبدعة في شتى المجالات.
لقد حلّق المصريون في سماء السعادة حين رأوا فوز ابنة مصر العدّاءة بسنت حميدة بميداليتين ذهبيتين في ألعاب القوى ببطولة البحر المتوسط؛ وهو الأمر الذي تكرر مع "نعمة سعيد" التي لم تحظ بالتكريم ولا بالحفاوة الإعلامية المناسبة بكل أسف..فأين العدالة يا سادة؟!
أليس أمثال هؤلاء النابغين هم من يرفعون اسم مصر عالياً في المحافل الدولية..ألسنا في حاجة دائمة لإحراز إنجازات وبطولات تستنهض الهمم وتشحذ العزائم وتقدم للعالم رسالة بأننا قادرون ..ألا يكفي فضيحة كرة القدم التي تميزنا فيها ثم تراجعنا كثيراً حتى تجاوزتنا فرق ومنتخبات لم نكن نسمع عنها، ناهيك عما تعانيه منظومة الرياضة بصفة عامة من آفات ومتاعب لا تخفى جراء ما أصابها من عشوائية وسوء إدارة وإعلام رياضي فاسد يكرس التعصب ويغذيه..ألم يحن الأوان للخروج بخطة إنقاذ وخريطة طريق لإصلاح منظومة شاخت وباتت على شفا هاوية بكل ما تشتمل عليه من اتحادات وأندية وحكام ولاعبين ومدربين وإعلام ونظام احتراف..فمتى يتحقق الانضباط وتختفي الأهواء والشللية والنفعية وتضارب المصالح..؟!
للمفكر الإيرلندي العظيم برنارد شو مقولات تنطوي على أفكار فلسفية عميقة؛ فالناجحون- في رأيه- يكتبون أحلامهم ويمنحون أنفسهم الفرصة والوقت حتى يحققوها؛ فكل شيء يبدأ في الخيال أولاً. ومن الأحلام تنطلق أي نجاحات كبرى، وأجمل ما في الأحلام أنها خيال يبني صروحاً من الأماني بلا حدود ولا معوقات وربما كانت الرؤية جانبًا من الإلهام؛ فالحالم قد يرى ما لا يراه اليقظان".
ولا عجب أن يقول أينشتاين صاحب نظرية النسبية إن التخيل أهم من المعرفة ..أما الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون فيقول "إن التخيل يشكّل العالم"..ولعل أهم ما في الأحلام أنها تبني الاستقرار والاتزان..وعلى قدر الهمم تأتي الأحلام والأفكار..فما أكثر الحالمين، وما أقل الذين يحققون أحلامهم التي لا تعدو مجرد أماني، لا تشرق شمسها أبدًا، بل ترحل مع أصحابها وتدفن معهم في قبورهم إلى أبد الآبدين.
أما الحالمون الحقيقيون من أصحاب الرؤية والعزم والموهبة فهم من يملكون القدرة على تغيير مسارات البشرية كلها؛ إيجاباً أو سلباً..فهم إما نعمة أو نقمة ..والحياة حلم..فما أجمل أن يكون لك هدف وحلم تعيش من أجله، وتبذل كل جهد وعرق لتحقيقه.
ومن أراد أن يكون له حلم فليطالع سير العظماء والعباقرة..كيف نشأوا وكيف عاشوا وكيف حلموا وكيف وصلوا إلى حلمهم ..ولعل لاعبنا العالمي الفذ محمد صلاح نموذج قريب ومثالي لواحد منا، حقق حلمه بصبر ودأب حتى صار معشوق جماهير الكرة ليس في مصر وحدها بل في العالم كله، وهو الآن من أفضل 5 لاعبين في العالم.
صلاح لم يتوقف عن السعي وراء حلمه منذ كان لاعباً مبتدئاً في صفوف المقاولين العرب، إلى أن لفت أنظار كشافة الدوري الأوربي الذي احتضنه ووفر له مناخ النجاح والنجومية حتى صنع اسماً عالمياً يشار له بالبنان ويعرفه القاصي والداني باسم "مو صلاح" أو الفرعون المصري صانع السعادة وباعث الطاقة الإيجابية في نفوس محبيه هنا وخارج هنا ..ولا ينكر أحد أن الشعب المصري صار أكثر اهتماماً وحرصًا على متابعة الدوري الإنجليزي بفضل انخراط صلاح في صفوف ليفربول الذي ذاق بفضل لاعبنا الدولي طعم النجاح وصعد لمنصات التتويج بعد غياب دام لما يقرب من 19 عاماً.
ما أحدثه محمد صلاح من إنجازات وتأثيرات داخل الملعب وخارجه كان مدوياً؛ لدرجة أن جامعة استانفورد قالت إنه منذ انضمام صلاح لليفربول عام 2017 انخفضت جرائم الكراهية في المنطقة بنسبة 19% وتراجعت التعليقات المسيئة للمسلمين عبر الإنترنت بمعدل 50%؛ الأمر الذي دعا الأزهر الشريف للقول إن هذا اللاعب الخلوق الفذ استطاع تغيير صورة الإسلام للأفضل ..فهل تعلمون أن "محمد" هو الاسم الأكثر تسمية بين المواليد في بريطانيا عام 2022.
شهرة نجوم الكرة استحوذت على اهتمام الناس في السنوات الأخيرة..لكن يبقى محمد صلاح ظاهرة استثنائية في سجلات الشهرة والتألق والنجومية الطاغية؛ حتى بات لاعباً أسطورياً بدأ المشوار من حارات وحواري قرية نجريج بالغربية لاعباً هاوياً استهل مشواره بلعب الكرة "الشراب"، ومنها إلى "المقاولين" ثم إلى قمة أندية أوروبا ليصبح بطلاً قومياً تلتف حوله قلوب ملايين المصريين بل العالم كله، وتملأ صوره الشوارع والميادين وشاشات التليفزيون وأغلفة المجلات والجرائد والمواقع العالمية حتى وصل الأمر إلى رسم صورته على لوحة جدارية تزين أكبر متاحف العالم (تايمر سكوير) وتلك منزلة لم يبلغها إلا أقل القليل من لاعبي العالم.
تأثير محمد صلاح استثنائي يتجاوز حدود ناديه وبريطانيا كلها، وهو محط إعجاب وتقدير عالمي منبعه الطريقة العصامية التي ارتقى بها سلم المجد، متجرداً من الواسطة والمحسوبية، معتمداً على ذاته مستمداً الدعم من عائلته، صاعداً قمة النجاح استناداً لقدراته وموهبته الفذة مستمداً عزمه من إيمانه وثقته بربه..والسؤال: هل تكفي الموهبة وحدها مهما تكن قوتها لصنع نجم بهذا الحجم..؟!
رأيي أنها لا تكفي وحدها مهما يبلغ شأنها ومداها؛ إذ لابد أن يصاحبها ذكاء عقلي ووجداني واجتماعي قادر على إدرة تلك الموهبة، والحفاظ على استمرارها وتوهجها ..وهذا ما يظهر في حالة محمد صلاح الذي يجمع بين الموهبة والذكاء الحاد الذي يرعاها، ويمهد الطريق لها، ويذلل المصاعب أمامها، ويحميها من الاحتراق دائماً أبداً.
محمد صلاح له تاريخ يستحق أن يدرّس؛ فهو من أسرة فقيرة، لم يتمكن من تحقيق حلمه في التعليم الجامعي؛ فالتحق بمعهد لاسلكي ليصبح في بضع سنوات أسطورة عالمية محققًا إنجازات تلو إنجازات ساعياً للمزيد والمزيد بعزم لا يلين وتوفيق من عند الله ودعوات ملايين المصريين الذين يرون فيه أحلامهم التي لم تتحق وأحلام أبنائهم التي يتطلعون إليها بشوق جارف.
مساحة هذا المقال لا تتسع لرصد إنجازات صلاح ومقومات نجاحه لكن أهمها ..هو الاستقامة والانضباط الشديد اللذين تعهدهما صلاح في نفسه ملتزما بأعلى درجات المهنية وحسن الخلق..هكذا قال عنه د.محمد المهدي أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، محللا شخصيته؛ فعلى الرغم من نجاحاته المبهرة وعبقريته الكروية العظيمة وشهرته ونجوميته و"كاريزمته" فإنه لم ينجرف فيما انجرف فيه أقرانه؛ فلديه حالة ثبات عجيبة أمام إغراءات وإغواءات الشهرة والنجومية ولديه موقف متواضع في كبرياء، متحدياً كل إغراءات الغرور وانتفاخ الذات ..وهذه عبقرية أخرى تضاف إلى عبقرية الكرة.
ورغم احتراف صلاح في إنجلترا وبريق المال والشهرة لكنه لا يستنكف النزول لمسقط رأسه ومشاركة أبناء قريته أفراحهم وأتراحهم، كما أنه يواظب على الصلاة وقراءة القرآن متمتعاً –كما يقول المهدي- بجملة عبقريات على مستويات نفسية متعددة، من بينها عبقريته الأخلاقية وعبقرية الوقت التي تتجلى في انطلاقاته السريعة جداً منذ كان طفلًا يلعب الكرة في قريته الصغيرة بطريقة مارادونية خطفت إعجاب المحيطين، ثم في نادى المقاولين ومنه لأكبر أندية أوروبا ..وقد رأينا كيف تمسك به ليفربول وجدد له 3 سنوات مقبلة براتب أسبوعي هو الأكبر في ناديه ..ويتمتع صلاح بعبقرية أسرية تتجلى في استقراره الأسري الذي عصمه من انزلاقات ونزوات غرق فيها غيره، ناهيك عن قوة انتمائه لعائلة ريفية بسيطة واعتزازه بذلك الانتماء والارتباط الشديد بزوجته وابنتيه وأسرته وقريته ووطنه الذي لم يشغله عنه دوائر عالمية تتسع يوماً بعد يوم بملايين المعجبين والمعجبات الذين يتشوقون إلى نظرة منه.
جانب آخر من عبقرية صلاح يتجسد في بعده عن الصراعات التي تبدد الطاقات فلا هو دخل في حوارات ومنازعات وخلافات واستقطابات مجهدة فليس لديه وقت يضيعه ولا طاقة يبددها بل حافظ على كل وحدة طاقة وكل وحدة زمن ليندفع كل يوم ليحقق تميزاً جديداً يرتقي به لمستويات أعلى وغير مسبوقة في الأداء.
كما تحاشى صلاح الوقوع في شراك الاستقطابات السياسية أو الدينية، مستفيداً من دروس نجوم سبقوه؛ فنأى بنفسه عن أي تصريحات أو سلوكيات تجعله محسوباً على أي تيار سياسي أو ديني بعينه؛ ليظل محبوباً ومقبولاً من الجميع وعلى مسافة واحدة من الجميع .
ومن مميزات صلاح أنه حافظ على صحته؛ فهو يهتم بكل تفاصيل حالته الصحية؛ فلا يسهر ولا يدخن ولا يتعاطى أي شيء يؤثر في سلامته النفسية والجسدية، وليس لديه أي علاقات جانبية تستنزف طاقته النفسية أو الجسدية أو تشتت وعيه أو تشوش انتباهه وتركيزه وهو ما جعله في حالة تركيز دائمة تنعكس على سرعته الفائقة في الملعب وقوة إدراكه وحسن تصرفه في المواقف الصعبة وانتهازه الفرص وتسديده بقوة ودقة فائقة على المرمى..ومن ثم لم يكن غريباً أن يفوز بالكرة الذهبية كأحسن لاعب في إنجلترا لثلاث مرات.
ومن أهم مميزات صلاح أنه شق طريقه بجهد شخصي وعصامية متفردة، غير مستفيد من أي توصية ولا وساطة بل اعتمد على جهد شخصي فائق ومتدفق وتصميم كبير وموهبة فذة وطلاقة يحسد عليها؛ فلا يتوقف عند مستوى نجاح معين بل يطور قدراته وأدائه بصورة مستمرة لا يشغله إلا أن يرتقي لمستوى أعلى من النجاح والتألق.
صلاح ليس مجرد لاعب كرة حقق شهرة ونجومية غير مسبوقة لبني وطنه وربما قارته وأمته بل إنه أصبح أيقونة نجاح عظيمة ومبهرة ورمزاً لكل ما هو جميل في حياة أي شاب مصري عربي مسلم، مجسداً قيم الكفاح والصمود والبقاء والكبرياء والتواضع والشموخ والعزيمة والإصرار والحب والطموح بلا حدود.
صلاح أيقونة النجاح النظيف ورمز لكل ما هو جميل، رمز للاستقامة والنظام والنظافة والانضباط والالتزام والوطنية والعالمية والإنسانية حتى أصبح قدوة للشباب في مصر وخارجها وليس كثيرا عليه أن توضع له أغانٍ عالمية تمجد شخصه يرددها الكبار والصغار بلغات عديدة بل أصبح له تمثال في أكبر متاحف إنجلترا.
صلاح بطل قومي حقق نجاحاً مدوياً في ظروف بالغة الصعوبة لوطنه وأمته فكان سبباً في الشعور بالبهجة والانتصار والكرامة والقدرة على تحقيق الحلم المستحيل وقد أعاد الثقة لقيم المل والصبر والمثابرة والصمود والكفاح والارتقاء المستمر نحو المعالي وهو نموذج مثالي نريد منه عشرات الآلاف في جمهوريتنا الجديدة..فهل عرفنا لماذا يعشق العالم ومن قبله المصريون محمد صلاح..ولماذا بات هذا اللاعب الخلوق صانعاً للسعادة سفيراً لمصر والعرب في كل محفل دولي..؟!