رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

أضحي وأمسي الإعلام الدولي في منعطف تاريخي خطير ، وتتقاذفه القناعات وأنواء المصالح والأهواء والمتغيرات الإقليمية والدولية ،وبات في حاجة ماسة لصياغة مؤسسية أممية جديدة وضوابط تتجاوز كافة هذه الحدود والعوائق والتحديات، وكافة القوانين التي فرضتها حروب الهيمنة والرغبة الجارفة لدي بعض القوى الكبري في التخلص من نظام القطب الواحد،وتدشين نظام عالمي مغاير وتقويض القديم بحلوه والمره !.

وقد كشفت حرب أوكرانيا عن الوجه القبيح لآلة الإعلام الغربي،التي مهدت للمعركة وأشعلت فتيل الفتنة وتسكب بآلياتها الشيطانية وقودا جديدا كل يوم لإبقاء الحرب مستعرة، وعلي الجانب الآخر فإن إعلام موسكو، أدمن دعاية التهويل من خطورة التوجهات السياسية لكييف ومغبة الإستجابة لرغبتها الجامحة في الانضمام لحلف الناتو،وجاء الحصاد مرا وموجعا لم ولن تسلم من آثاره كافة دول المعمورة !.

لم يعد الإعلام الدولي كما عرف بين الأمم كقوة ناعمه تدعم مسارات التواصل،وتسهم في تجسير العلاقات ورأب الصدع بين شعوب الدنيا، لكن أصابه ما أصاب العالم من متغيرات شكلت أهدافه ومراميه وأدواته ورافده الجديدة !.

وفي تصوري أن الإعلام الموجه بما يمتلك من أدوات وآليات عديدة أصبح سلاحا عصرية فعالا، يوظف لتبرير سياسات الدول الكبري والإقناع بمسوغات إزدواجية المعايير ،وأصبحت
الحرب الإعلامية قوة إستراتيجية ،ستسهم في تدشين معالم النظام العالمي الجديد في عالم ما بعد كورونا، وما بعد أوكرانيا!.
ويبدو أننا أمام واقع مغاير باستراتيجيات إتصالية جديدة، تستهدف شيطنته ،وإعداده كقوة قتالية تدعم روافد القوة العسكرية،وربما تنتقل بالإعلام بمختلف أذرعه العصرية إلي قوة غاشمة تصارع ،وربما تفوق طلقات المدافع ودانات الدبابات ، وقاذفات الصواريخ العابرة للقارات !.

لقد أماط الصراع الروسي الأوكراني عن جانبا من الحقيقة المرة ، فما زلت مقتنعا أن هناك إستراتيجية إعلامية لإدارة الحرب تأسست علي الكذب وتزييف الوعي والإيحاء بأن أوكرانيا تحقق انتصارات عسكرية متواصلة والمقاومة صامدة وتكبد القوات الروسية خسائر فادحة.
ويكفي ما أعلنته عن حجم هذه الخسائر بعد مايزيد عن ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب من ارقام خيالية فقد أعلن الإعلام الغربي أن روسيا تكبدت ما يزيد عن 35 ألف جندي،لقوا مصرعهم علي الأراضي الأوكرانية، علاوة علي تدمير مئات الطائرات،وآلاف الآليات والمعدات العسكرية !.
وعلي مختلف موازين التعقل والمنطق وطبيعة القوى المتصارعة،فإن هذه المعلومات لا تعكس الواقع، وتبتعد عن الحقيقة تماما !.

ومع بدء الحرب الاقتصادية الأممية بين معسكري الشرق والغرب وتصاعدها ،والتهديد المستمر بفرض المزيد من العقوبات، وإقدام روسيا علي قطع إمدادات الغاز والطاقة
فإن الإعلام أصبح سلاحا فعالا، وقوة داعمة لا يستهان بها وأصبح يباري طلقات الرصاص في التأثير وإقناع طرفي المواجهة بصواب رؤيتهما وعدالة مواقفهما في استمرار المعركة!.

كل المؤشرات تؤكد أن الإعلام بما يمتلكه من آليات وروافد عصرية سيكون له كلمة الحسم والسيادة في توجيه الرأي العام الأممي وتدشين نظام عالمي جديد وانتهاء زمن تعدد الأقطاب ،وربما يفلح في مناصرة وتأييد وتقوية أواصر النظام العالمي القديم ودعم الهيمنة الأمريكية حتي إشعار آخر !.

ومع اشتعال فتيل الأزمة الأوكرانيا، اشتدّت معه الحرب التكنولوجية، المعتمدة على منصات التواصل الاجتماعيّ، ضد روسيا ،ومع بداية العملية العسكرية الروسية ، تصاعدت الضغوط عليها بصورة هستيرية عبر تقارير ملفّقة، وفيديوهات مفبركة، روايات مزيّفة وتغييب للحقائق.
هذا فيما استمرّت الحملة الإعلامية الغربية المنظّمة للنيل من موسكو وشيطنتها وشحن الرأي العامّ العالميّ ضدها،وهو تجسيد حي للتضليل كجزء لا يتجزّأ من المواجهة والصراع والدروس التي خلقتها هذه الأزمة عندما يصبح الإعلام بأخباره الكاذبة ومعلوماته المضلّلة وتحليلاته الملفقة وقوداً يزيد لهيب الحرب المستعرة!.

وعلي النقيض هناك دور لإعلام موسكو والدول المناصرة لها في الدعوة للتهدئة ودعم المساعي السلمية لإنهاء الحرب ووقف هذه المهزلة الأممية ،فبعد فترة وجيزة من الغزو في أوكرانيا ، تم حظر فرض رقابة صارمة علي عدد من المواقع وحجب مواقع أخري ،ومنع الحديث عن خسائر روسيا الحقيقية.
كما تم سن قانون جديد في روسيا ،منذ 4 مارس، وأصبح من الجرائم الجنائية أن تنقل علنا، بما في ذلك عن طريق الشبكات الاجتماعية، أي "معلومات كاذبة عمدا حول نشر القوات العسكرية للاتحاد الروسي".
ويبدو أن روسيا تعلمت من أخطائها الخاصة بالحرب الشيشانية في التسعينيات حول أهمية فرض ضوابط صارمة على وسائل الإعلام.

والحصاد الأسوأ لهذه التجاذبات السياسية أن أصبح سلاح الإعلام كالشيطان الذي يوسوس للجميع ، يسكب المزيد والمزيد من الوقود علي النيران المستعرة،وقيادة العالم إلي المجهول!.

وأتصور أن الإعلام الدولي كان من الممكن أن يكون الوسيلة المثلي لتسوية النزاع والدعوة إلى المفاوضات، شريطة أن تتحلى مؤسساته بشقيها الرسمي والخاص بالحيادية والمعالجة المهنية الموضوعية في تناول مختلف أسباب وأحداث وتداعيات الحرب ، ودعوة الأطراف المتصارعة للعودة لصوت العقل والحكمة،وإحياء نظريات المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية. الإنسانية للإعلام !.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة