معاً للمستقبل
غداً..يصعد الحجيج إلى عرفات الله ليؤدوا ركن الحج الأعظم..جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم وليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام..جاءوا ليأتلفوا جميعاً في مؤتمر هو الأعظم في العالم كله، جاءوا بزي واحد لأداء شعائر واحدة في وقت واحد وغاية واحدة.. وهنا تتجلى أعظم صور الوحدة والمساواة والروحانيات بين البشر فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
الحج عبادة جامعة؛ فيه صلاة وصلة وإنفاق وبذل في سبيل الله وفيه تضحية وتزكية للنفس والوجدان وتطهير للروح رغم مشقة الأبدان..وفيه موعظة للأغنياء والفقراء والحكام والمحكومين على السواء ..وتلك قمة المساواة بين البشر في أبهى وأجل صورها..ويكفي أن من يحج مخلصاً يعود منه كيوم ولدته أمه؛ والحج فريضة تجب على المسلم المكلف مرة واحدة في العمر إذا اجتمع له شرطا الاستطاعة البدنية والمالية؛ فإذا تخلف أحدهما مع وجود نية صادقة من صاحبها نال ثواب الفريضة..ومن فضل الله على عباده أن كشف عنهم غمة كورونا؛ وهو ما دعا المملكة السعودية للسماح بأداء الحج لمليون مسلم دون ال65 عاماً من دول شتى هذا العام مع تشديد الإجراءات الاحترازية والوقائية خلال أداء المناسك حفاظاً على صحتهم ودرءًا لأي مفاسد .
ومن نافلة القول إن نصيب مصر من تأشيرات الحج هذا العام كان 30 ألف تأشيرة ذهبت فقط لمن لم يسبق لهم أداء الفريضة من قبل.
لاشك أن الحج شأنه شأن كل الأنشطة البشرية قد تضرر من جائحة كورونا؛ فتراجعت بسببها أعداد الحجيج بصورة هائلة؛ حتى أن السعودية اكتفت بنحو ألف حاج فقط من داخل المملكة وخارجها ليؤدوا الفريضة في عام 2020 جرت زيادتهم في العام التالي إلى 60 ألفاً شريطة أن يتلقوا اللقاح بعد أن كان العدد مليونين ونصف المليون حاج في 2019..وندعو الله تعالى أن يرفع عنا الوباء والبلاء وسييء الأسقام ليعود زوار بيت الله الحرام بأعدادهم الطبيعية المعتادة قبل الجائحة.
ومن فضائل الله على الناس أن جعل الحج مؤتمراً جامعاً وحافزاً للوحدة ورمزًا لوحدة الشعائر والكلمة والموقف والمصير للشعوب والدول المسلمة ، وهو وسيلة لتبادل المنافع بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات، وهي نعمة كبرى تستحق الشكر للمنعم جل وعلا خصوصاً بعد أن ذاقت البشرية ويلات كورونا ومن بعدها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية اللتين تركتا آثاراً سلبية لاقتصادات الدول وحركة الحياة بوجه عام.
وليت دولنا تستلهم سيرة النبي الكريم وتقتفي أثره في استثمار الحج كمناسبة جامعة لتدارس أحوال المسلمين وشئونهم وقضاياهم وهمومهم، فهو فرصة طبيعية للتفاعل والتقارب والتمازج والألفة ..فإذا كان الحجيج قد أتوا من من فج عميق ليؤدوا نسكا واحدة في مكان واحد وفي توقيت واحد فأولى بدولهم أن تزيل ما بينها من خلافات وتتكامل فيما بينها حتى تصبح قوة يُعمل لها ألف حساب..فكيف تتباعد وتتقاطع مواقفهم بينما همومهم واحدة وقضاياهم واحدة وعدوهم واحد ..أليس الاتحاد والاعتصام بحبل المتين في ظل عواصف عالمية عاتية تهب عليهم من كل جانب فريضة واجبة..أليس الإرهاب الملتحف زوراً وبهتاناً بالإسلام ينهش في استقرارهم جميعاً ويهدد حاضرهم ومستقبلهم..أليس الاستعمار الجديد يتحين الفرصة ويسعى حثيثاً لالتهام مقومات وجودهم جميعاً؛ ألم تستخدم القوى الطامعة فيهم هذا التيار لتفتيت جبهتم الداخلية واستهداف أركان دولهم واحدة بعد الأخرى بلا هوادة ولا رحمة ..أليست أزماتهم وتحدياتهم وشواغلهم واحدة ..ألا تهددهم جميعاً أخطار التقسيم والتمزيق وتتربص بهم الدوائر وتتحين لحظة ضعف تنتابهم لتضربهم بقوة وتعصف بما تبقى لهم من مقاومة وصمود ووجود ..فماذا ينتظرون حتى يتوحدوا ويتكاملوا اقتصادياً في مواجهة الفقر والتخلف والفهم المغلوط لمقاصد الدين الحنيف الذي شوه صورته بعض بني جلدتهم كما شوهوا صورة المسلمين بما اقترفوه باسم الإسلام من جرائم وآثام يندى لها الجبين.. والإسلام منهم براء .
لسنا في حاجة للقول إن ما يمر به عالمنا من ظروف قاسية تحتم ضرورة التآلف والوحدة بين دولنا العربية حتى نستطيع مواجهتها والإفلات من عواقبها الوخيمة ولعل الحج مناسبة لاستلهام انتصارات أمتنا وروح شريعتنا في الاعتصام ونصرة بعضنا بعضاً فتلك ضرورة من أوجب واجبات العصر.
ولعل الحج مناسبة سنوية يتجدد معها سؤال كنا نطرحه قبل كورونا، ومازلنا نبحث دون جدوى عن إجابة قاطعة له، وهو في ظروفنا الحالية أوجب: هل تكرار الحج والعمرة يمحو الذنوب والخطايا إذا تكرر اقترافها..وإذا كان الحج فريضة واجبة لمرة واحدة في العمر متى توفر للمكلف بها شرطا الاستطاعة ماليًا وبدنيًا لقوله تعالى" ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً"..فلماذا الإصرار والتسابق على تكرار الحج والعمرة في مثل تلك الظروف الاقتصادية الصعبة ..أليست مصلحة المجتمع في إنفاق المال على سبل النفع العام ..فكيف يبيت المؤمن شبعانَ وجاره جائع ..وكيف تقر أعين الموسرين والقادرين وهم يكررون حجهم وعمرتهم بينما في بلدهم ملايين المرضي يحتاجون لعلاج يخففل آلامهم ويرحم أوجاعهم..ولا يجد آلاف الطلاب أماكن مناسبة في مدارسهم ناهيك عن آلاف المحتاجين الذين لا يجدون ما ينفقون..أليس خير الناس أنفعهم للناس ..وكيف يتصور الأغنياء أن تكرارهم للحج والعمرة يطهرهم من الخطايا التي يصرون للأسف على ارتكابها اتكالاً على أن مثل هذا التكرار سوف يعفيهم من الحساب أو ينجيهم من العقاب ويقربهم إلى الله أكثر ويمنحهم الثواب الأعظم.
وهل ينسى هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم :" من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"..؟!
للتنمية روافع ومقومات وركائز تنهض عليها المجتمعات الحديثة العفية وتلك مهمة أكبر من أن تقوم بها الحكومات وحدها إنما ينهض بها شركاء التنمية من مجتمع مدني ورجال أعمال عليهم مسئولية اجتماعية كبرى ولرءوس أموالهم وظائف اجتماعية بها تستقر المجتمعات وتتقدم وتتغلب على مشكلاتها شريطة أن يوفر لهم المجتمع مناخاً جيداً محفزاً للاستثمار..فهل يعقد من يكررون الحج والعمرة أنهم بذلك العمل سوف يحصلون على صك غفران يمحو ذنوبهم مهما بلغت ويرتقي بهم إلى الجنة..ومن يضمن قبول حجهم وعمرتهم إذا تكررت..ثم وهذا هو الأهم : إذا جاز لمن يملك مالاً حلالاً تكرار الحج والعمرة فهل يجوز ذلك لمن يكرر الحج بمال غيره أو بمال مشكوك في مصدره..فإذا كان هذا المال حكوميًا ألا يعد ذلك إهداراً للمال العام ..وماذا يقول من يفعل ذلك بينما هو لا يصلي أصلاً بل ويمتنع أصلاً عن أداء الزكاة المفروضة والصيام الواجب ..فكيف يستقيم الظل والعود أعوج..؟!
وحسنًا فعلت أجهزة الولة حين ألغت الحج على نفقة الدولة بأي صورة ولأي جهة حكومية..فثمة حاجة شديدة للتقشف والتزام الأوليات الواجبة..ألا يعلم هؤلاء أن الإنفاق على المحتاجين أولى عند الله وأفضل ..فما جاع غني إلا ببخل عني..وإذا كان الله في عليائه قد شكر رجلاً سقى كلباً كان يلعق الثرى من شدة العطش فكيف بمن يعالج مريضاً يتلوى من شدة المرض..أليس أجر من ينفقون أموالهم في علاج مرضى السرطان أو مضى القلوب أو بناء مستوصفٍ أو ملجأ أيتام أعظم عند الله تعالى من تكرار الحج والعمرة.
لقد تعلمنا من علماء الدين أن قضاء حوائج الناس أولى من النافلة، وهو فرض كفاية إذا أداه البعض سقط عن البقية، ولا يكف العلماء عن دعوة رجال الأعمال والميسورين لمد يد العون للفقراء والمعدمين في ظروف اقتصادية صعبة يمر بها عالمنا، وفي القلب منه مصرنا الحبيبة ..وحيث إن الأمة لا تملك كامل قوتها ولا تنتج دواءها ولا وسائل أمنها كله من سلاح وعتاد، ولا كامل غذائها فأولى بأبنائها أن يسارعوا لسد هذه الفجوة قبل التفكير في تكرار الحج والعمرة؛ وثمة طرق عديدة للإسهام في ذلك كتبني طلاب العلم النابهين وتبني الأفكار الخلاقة حتى تصير منتجاً يغني ويمنح لبلادنا قوة مضافة وهل هناك أقوى من سلاح العلم..أو يسارعوا بقضاء حوائج الناس بحسبانها صدقة جارية تضيف لرصيدهم في الآخرة وتحقق السلام الاجتماعي بين البشر وتنشر الاستقرار في ربوع الوطن..أو يسارعوا للإسهام في بناء مدرسة أو مشفى أو شق طريق ييسر للناس حياتهم..وهنا يتجلى الدور الاجتماعي لرأس المال والدور الوطنى للأغنياء في خدمة وطنهم والوفاء بحق النعمة التي منحها الله لهم؛ فشكر المال يكون بإنفاقه في وجوه الخير والبر وقضاء الحوائج.
وليت الرؤية الفقهية تتسع لتجعل همها مصلحة الناس؛ فأينما توجد المصلحة العامة فثم شرع الله، وليت بعض المتصدرين للعمل الدعوى والمنتسبين إليه لا يقفون عند فقه الأحكام على سبيل التلقين أو التلقي دون تعمق أو إدراك لفقه المقاصد والأولويات والواقع والمتاح مما يجعل الغاية الأسمى لمقاصد التشريع غير واضحة لدى هؤلاء ويجعلهم منفصلين عن حاضرهم والظروف المحيطة بهم وواقع عالمهم الذي يعيشون فيه.
فإذا كان المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف فإن تطوير المعرفة وتكريس العلم أولى درجات هذه القوة لمساعدة الناس على حل مشكلاتهم وهو من درجات البر وقضاء الحوائج سواء بالمال أو النفوذ والجاه وقد جعل الله تعالى مناط الخيرية في تحقيق النفع للناس؛ فخير الناس أنفعهم للناس.
ومن رحمة الله أن جعل الحج مرة واحدة في العمر، وبأدائه تسقط الفريضة عن المكلف بها؛ وليس أفيد للمجتمع في ظل ما نعيشه الآن من تداعيات الأوبئة والحروب من تعميق روح التكافل ومد يد العون للمحتاجين خصوصاً في ظل النقص الشديد في كثير من الاحتياجات على مستوى العالم وليس في مصر وحدها؛ فهذا مريض يحتاج لدواء، وذاك جائع يحتاج لطعام، وذاك متعطل يحتاج فرصة عمل وهي أمور توجب على القادرين أن يبادروا بفعل الخيرات بدلاً من تكرار الحج والعمرة أو الإسراف في إقامة الحفلات للتفاخر والمباهاة..فقضاء حوائج الناس أفضل للمجتمع وهو مقدم على حج النافلة إعمالاً لفقه الواقع.
لاشك أننا نخوض معارك شتى ولن نكسب معركة التقدم إلا بالعمل الجاد والتعاون بين جميع الأفراد وإشاعة روح التكافل والتراحم فإذا تأكد من يكررون الحج والعمرة أن محيطهم الاجتماعي ليس فيه جائع ولا مريض فقير فيلحجوا ما يشاءون ولا تثريب عليهم أما إذا كان العكس فتنمية الوطن أوجب الواجبات.
وإذا كان الحج تجرداً ورجوعاً إلى الله وتطهيراً للنفس فالحجاج أولى الناس بالرجوع للحج والتخلى عن المظاهر والبعد عن التدين الظاهري فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم..ولا يقبل الله من العمل إلا ما كان طيباً خالصاً لوجهه الكريم..ولعل ما يواجهه اقتصادنا يحتم على الجميع وفي مقدمتهم حكومتنا ترشيد الاستهلاك ومضاعفة الإنتاجية والحفاظ على الموارد للأجيال القادمة.
وفي هذه الأيام المباركة يطيب الدعاء ..اللهم اجمع شعب مصر على قلب رجل واحد ..اللهم ارزقنا العمل والإنتاج والكف عن إثارة الجدل وتصديق الشائعات ونبذ الخلافات والانقسامات والمشاحنات والمزايدات والأنانية وإيثار المصالح الضيقة على صالح البلاد.
اللهم ارزق حكومتنا حسن التفكير والتدبير وتفهم حقيقة الأزمات والقدرة على علاجها ومواجهة الارتفاع الجنوني للأسعار وجشع التجار وغياب الرقابة والنزول للمواطنين ومعايشة همومهم على الطبيعة في الأسواق وشتى مواقع الإنتاج..اللهم ارزق موظفيها حسن معاملة الجمهور والبعد عن الروتين.
اللهم اجعل فرحتنا بالعيد من القلب نتراحم فيما بيننا ..نمسح دموع اليتامى والثكالى وذوي الشهداء الأبرار من رجال الجيش والشرطة ..اللهم احفظ مصر من الفتن ومن شرور الشائعات وسوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي..واجعلها واحة أمن واستقرار وقبلة للاستثمار من الشرق والغرب..اللهم آمين.