عيون الشعب
قالت عائشة رضى الله عنها : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال : ما من يوم أكثر من ان يعتق الله فيه عبدا من النار .. من يوم عرفة .. ايام السنة كلها فيها عتق لرقابنا من النار .. لكن يوم عرفة اكثر .. وأنه سبحانه ليدنو .. ثم يباهى بهم الملائكة .. اى اهل عرفة _ على عرفة فى يوم عرفة _ فيقول : ما أراد هؤلاء ؟ اخرجه مسلم ( ٨ & ١٣ ) .. يعنى ما ارادوه ينفذ .. اى دعواتهم مجابة .. وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : يوم المباهاة يوم عرفة .. يباهى الله تبارك وتعالى ملائكته فى السماء بأهل عرفة يقول : عبادى جاءونى شعثا غبرا .. صدقوا بكتابى ولم يرونى .. لاعتقنهم من النار .. ويوم عرفة .. يوم إكمال الدين واتمام النعمة .. فقد نزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة .. : اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا .. ( المائدة ٣ ) .. وان إتمام النعمة لا يحدث .. إلا بالمغفرة .. فلا تتم النعمة بدونها .. كما قال الله تعالى لنبيه : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك .. وبقى ان نعرف .. ان جبل عرفة .. يقع شرق مكة على الطريق الرابط بينها وبين الطائف بحوالي ٢٢ كيلومتر وعلى بعد ١٠ كيلومترات من مشعر منى و٦ كيلومترات من المزدلفة وبذلك يكون عرفة .. هو المشعر الوحيد الذى يقع خارج حدود الحرم .. اى انه مشعر مستقل بذاته .. والاكثر من ذلك ان الحج عرفة .. تصديقا لقول رسول الحق صلى الله عليه وسلم .. الحج عرفة .. وهنا اتذكر عمر بن الخطاب .. وفراسة عمر .. وشفافيته .. فعندما قرأ رسول الحق صلى الله عليه وسلم : اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا .. بكى عمر !! وهنا قال رسول الله .. ما يبكيك يا عمر ؟! اجاب عمر : ابكانى انا كنا فى زيادة .. اما اذا كمل فإنه لا يكمل شئ .. إلا نقص .. فقال رسول الحق : صدقت ! .. وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم .. على عرفات .. يضع اول ميثاق لحقوق الانسان فى تاريخ البشرية .. تمعنوا جيدا فيما قاله رسول الانسانية صلى الله عليه وسلم منذ اكثر من ١٤٠٠ سنة .. ايها الناس ان دماءكم واموالكم .. عليكم حرام الى ان تلقوا ربكم .. كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا .. وانكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم .. وقد بلغت .. فمن كان عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها .. وأنه لا ربا .. وانظروا لقد حذرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم من الشيطان .. قائلا : ان الشيطان قد يئس من ان يعبد بارضكم هذه ابدا .. ولكنه يطمع فيما غير ذلك .. فاحذروه على دينكم .. ويوصينا رسولنا صلى الله عليه وسلم بالنساء .. فيقول : ايها الناس .. فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا .. لكم عليهن ان لا يوطئن فراشكم احدا .. تكرهونه وعليهن ان لا يأتين بفاحشة مبينة .. واستوصوا بالنساء خيرا .. فانهن عندكم عوان اى اسيرات لا يملكن من امرهن شيئا .. وانكم اخذتموهم بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله .. فاعقلوا ايها الناس قولى .. فانى قد بلغت وقد تركت فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا ابدا .. كتاب الله وسنة نبيه .. ايها الناس .. اسمعوا قولى واعقلوه .. تعلموا ان كل مسلم اخ للمسلم وان المسلمين أخوة .. فلا يحل لإمرئ من أخيه إلا ما اعطاه عن طيب نفس منه .. فلا تظلمن أنفسكم .. اللهم بلغت .. اللهم اشهد .. كل ذلك جاء فى حجة الوداع .. الحجة الوحيدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. وعندما وصل رسولنا صلى الله عليه وسلم الى منى .. خطب مرة ثانية .. حيث قرر تحريم الزنا والأموال والأعراض وذكر حرمة يوم النحر وحرمة مكة على جميع البلاد .. قال : فإن دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا .. فى بلدكم هذا .. فى شهركم هذا .. ثم رفع رأسه وقال : لا ترجعوا بعدى كفارا .. يضرب بعضكم رقاب بعض .. تفاصيل حجة الوداع كاملة .. كتبها لنا .. الكاتب الكبير المفكر الاسلامى عبد الحميد جوده السحار .. فى كتابه الرائع " حجة الوداع " .. محمد رسول الله والذين معه .. وعندما أتحدث عن الإسلام .. يقفز امامى بلال بن رباح .. الذى جاء صوته .. داعيا الناس الى الصلاة .. الى استفتاح يومهم بلقاء الله .. لتطهير النفوس وسموها .. فما أروع ان يبدأ كل منا يومه بإسم الله وذكر الله .. الا بذكر الله تطمئن القلوب .. ولابد ان أتوقف أمام حديثين وقعا لسيدنا بلال .. الاول : عندما اهتز وجدان بلال .. عندما سمع دعاء رسول الحق صلى الله عليه وسلم .. يقول : اللهم اجعلنى ممن سيلقون اسماعهم الى أذان بلال فى الجنة .. لتسرى فى جسده قشعريرة .. وتبلل الدموع روحه .. قبل وجهه .. وهنا يسجد بلال شكرا وتواضعا لله .. اما الثانية .. يوم فتح مكة .. حيث اصطحب رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .. فقط سيدنا بلال .. ليصلى معه داخل الكعبة .. وكأن رسولنا صلى الله عليه وسلم .. اراد ان يعيد لبلال كرامته وعزته وشموخه .. ويمنحه درجة عظيمة .. لم يمنحها لغيره .. فى نفس المكان الذى شهد عذابه وآلامه .. وامام نفس الأعداء الذين ساقوه العذاب .. ان يوم عرفة .. يوم المغفرة .. يقول مراد هوفمان .. سفير المانيا فى المغرب .. الذى أعلن اسلامه فى عام ١٩٨٠ حيث كان سفيرا فى ذلك الوقت .. يقول فى كتابه الطريق إلى مكه .. الذى اصدره فى عام ١٩٩٨ .. ان التوجه إلى الله فى الإسلام .. لا ينحصر فى الروح فقط أو الجسد فقط أو عقله وقلبه .. إنما بلحمه ودمه ايضا .. فهو اما ان يكون هو كله حاضرا .. واما الا يكون حاضرا بالمرة ..وهذا ناتج عن " التوحيد " اقول فى يوم عرفة .. اللهم آتى سيدنا محمدا .. الوسيلة والدرجة الرفيعة وابعثه اللهم المقام المحمود الذى وعدته .. واجزيه خير الجزاء .. فإنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة .. اللهم اكتب لنا حجة الى بيتك الكريم .. واسقنا شربة ماء من يد رسولنا صلى الله عليه وسلم .. لا نظمأ بعدها ابدا .. وكل عام وانتم بخير .