رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل


عافية الإعلام يستمدها من قوة تأثيره فيمن حوله؛ سواء في الأفراد العاديين أو صناع القرار..فهو واسطة العقد بين الشعوب وحكوماتها وهو في الدول العريقة ديمقراطيا عين الشعب على الحكومة والرقيب على البرلمان.

وبقدر ما يؤدي الإعلام دوره بتجرد وفهم عميق لحقيقة وطبيعة الرسالة.. وبقدر ما يتحرى الموضوعية والصدق والإخلاص في نشر الوعي والاستنارة وخلق روح وطنية عالية للنهوض بأمته.. يصنع مصداقيته ويكتسب مكانته في عقل وقلب الجميع شعباً وحكومة، معارضة ومؤيدين.

أما إذا تخلى عن الرسالة وانصاع للأهواء فقد بوصلته إلى عقول المتلقين وقلوبهم فانصرفوا عنه وتركوه يعاني ويتخبط وينزوى ويتردى في مهاوي السقوط ويفقد القيمة والمكانة والتأثير.

ليس مطلوباً ولا مستحباً للإعلام أن يكون صوتاً للحكومات يهلل لها عمّال على بطال منحازاً بلا رشد ولا رؤية هنا يضر نفسه ويضر الحكومة التي يدافع عنها ويصبح كالدبة التي قتلت صاحبها وهي تحسب أنها تذود عنه..البوصلة الحقيقية للإعلام ينبغي أن تكون رسالة يؤديها لتحقيق الصالح العام يمارس النقد البناء إن كان فيه خيرٌ ويبرز الإيجابيات ويجليها للناس ما دامت تحقق مصلحة وطنية للدولة والمجتمع والناس.

وسائل الإعلام مصدر للأخبار، ووسيلة للترفيه والمتعة والتسلية لتخفيف حدة الضغوط لكنها تحمل في طياتها رسائل إقناع ولا يقنع إلا المقنع وهي حلقة وصل تربط الأفراد بعضهم ببعض داخل المجتمع وتربط الأفراد بالدولة أيضاً كما تقدم المعرفة والعلوم والثقافة بأسرها لصناعة نهضة وحراك مجتمعي يقود إلى النشاط والتفاعل الإيجابي والصحوة.

وحين يؤدي هذا الإعلام رسالته يحتاج لرؤية تقود دفته، وتعصمه من الوقوع في شراك أصحاب المال والأجندات وهنا نتفق مع ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي أخيراً في افتتاح أحد المشروعات المهمة في حضور الإعلاميين والصحفيين حيث قال بوضوح:" مستعد أوفر الرؤية الواضحة لأي حد، ولو فيه مشكلات نشوف الموجود مع المشكلة والمختص ونتحرك فيها" ثم وجّه حديثه للإعلاميين " مش مطلوب إن حد يتكلم بشكل إيجابي علشان يدعم حد، عاوزك تشوف الحقيقة وتقولها للناس. فإن بناء فهم حقيقي لقدراتنا وتحدياتنا سيجعل المواطن الموجود في الشارع مستعد يتحمل، وتتكون حصانة ومناعة لدى الناس من الحراك ده..نحن كمسئولين نتكلم بالصدق..والإعلاميون يتكلمون بالفهم".

رسالة الرئيس واضحة، وأرجو لها أن تصل لكل مسئول وكل إعلامي..فمهمة الصحافة والإعلام بصفة عامة هي نشر الخبر الصادق والتحليل المعمق والتحقيق الموضوعي المجرد من الهوى والميول الشخصية. كما أن الرأي النزيه حق لصاحبه لا سلطان عليه إلا ضميره وصالح المجتمع..ولا رقابة عليه إلا القانون.

لقد تعلمنا في كليات الإعلام أن الإعلام رقيب وهو عين الشعب على الحكومة والبرلمان وهو أحد أدوات الشفافية في الدول المدنية الحديثة، يتعقب الفساد والمفسدين . يتناول قضايا الناس والأمة وأحوال المواطن وهمومه وطموحاته بأمانة وحياد؛ بهدف التنبيه لمواطن القصور وسوء الأداء وبناء وعي حضاري بحركة الحياة والتاريخ وأولويات الأمة في خضم الصراعات والحروب والمصالح..يشبع حاجة الجمهور للمعرفة الجادة الرصينة عبر تقديم ما يحتاجه وينفعه ليكتمل به رشده وتهتدي بصيرته إلى طرائق الحق وتتحقق مصالحه الحقيقية وليس تقديم ما يحبه هذا الجمهور ..وبينهما فارق هائل لو تعلمون.

لكن متى يكون الإعلام قوياً ومؤثراً ؟ ..والجواب: إذا تبنى أولويات مجتمعه وقضاياه الحقيقية في التنمية وسباق التقدم.. وغاص في همومه واستشعر آلامه وشاركه أحلامه وتطلعاته، وخفف عنه متاعبه، ووضع مطالبه وطموحاته في بؤرة الضوء وبين يدى صاحب القرار..بلا تهويل ولا تهوين ولا استسلام لغواية مواقع التنابذ أو الاشتباك الاجتماعي كفيسبوك وتويتر وغيرهما من منصات ومواقع إلكترونية.

وبعيداً عن نظرية المسئولية الاجتماعية المعروفة؛ فإن الإعلام يؤثر على طريقة تفكير الإنسان وينمي شعوره الوطني ويسهم بدور مشهود في تبني ترسيخ الثقة بمؤسسات الدولة لدى مواطنيها بشرط أن يؤدي رسالته باحترافية ورؤية موضوعية تحترم عقل الجمهور وتشاركه أولوياته ويمكنه بدرجة ما أن يتبنى سياسات الحكومة- أي حكومة- شريطة أن ينتهج أسلوباً عقلانياً وعلمياً يضع بين يديه حقائق وبراهين لا يأتيها التشكيك من بين يديها ولا من خلفها.

وبدرجة ما يستطيع الإعلام خلق حوار عالمي عبر تغطية الأحداث التي تقع هنا أو هناك في مختلف بلدان العالم، وقد يخلق نفوراً وغصة في الحلق كما فعل بنا الإعلام الغربي حين نشر افتراءات وأكاذيب في حربنا ضد الإرهاب حتى أنه ذهب إلى حد الشطط والمغالطة حين خلع على الإرهابيين لفظ المقاتلين..!!

الرئيس السيسي لا يزال مهموماً بتشكيل وعي حقيقي للمصريين يبين لهم حقيقة ما يدور حولهم من أحداث جسام وما يحاك لبلدهم وما يواجهه من تحديات وظروف اقتصادية عالمية غير مسبوقة وفي القلب منها موجات التضخم المستورد، وهو إذ يهتم بذلك فهو يطمح دائماً أن تتكون لدى المواطنين على اختلافهم رؤية صحيحة تحصنهم من الوقوع في فخ الشائعات ورياح الفتن والتآمر.

ما من شك أن حروب العصر لم تعد تقليدية بالمدفع والرصاص فحسب بل إن أخطرها قاطبة هي حروب الجيل الخامس التي تتخذ من الإعلام ومواقع التواصل رأس حربة تمهد التربة نحو تفكيك الدول من داخلها تمهيداً لإسقاطها؛ ذلك أن الإعلام هو رأس الرمح في أي نظام سياسي أيا ما تكن هويته واتجاهاته وأهدافه؛ فالكتيبة الإعلامية غالباً ما تسبق الكتيبة العسكرية في أي معارك أو عمليات حربية؛ كما أن الغزو الثقافي والإعلامي مقدمة ضرورية لأي غزو عسكري حسبما تقتضي خطة الهجوم المراد تحقيقه..كما أن أي نظام دائماً أبداً ما يستند لقاعدة إعلامية تبشر بسياساته وتشرح قراراته؛ وهو ما يفسر لنا حرص الدول وأنظمتها السياسية وتركيزها على تدجين منظومة الإعلام..وهو ما يطرح سؤالاً محورياً: هل هناك إعلام محايد..؟!

وتأتينا الإجابة واضحة من أجواء الحرب الأوكرانية التي تعد تجسيداً عملياً لاستغلال الإعلام وتوظيفه كوسيلة مهمة في إدارة الصراعات والحروب بين الجانبين الروسي من ناحية، والغربي الداعم لأوكرانيا من ناحية أخرى.

إعلام الغرب تعامل مع الأزمة باعتبارها فرصة سياسية يمكن توظيفها للتحريض ضد روسيا وتشويه صورتها ، وجرى استخدام هذا الإعلام للحشد والتجنيد وبث روح البطولة والتحفيز في نفوس جنود وشعب البلد الذي ينتمي إليه، كما جرى توظيفه كوسيلة للحرب النفسية عبر تزييف الحقائق لإضعاف الروح المعنوية لجنود وشعب البلد العدو.

وسائل الإعلام الرقمي و التواصل الاجتماعي كانت ولا تزال رقماً صعباً في معادلة القوة والنفوذ وفرض الإرادة؛ وقد رأينا كم الصحف والمواقع الإلكترونية ومحطات التلفاز الغربية التي نشرت حوارات وتحليلات و مقالات رأي لكتّاب عديدين ركز أغلبها على تشويه روسيا والتشكيك في سياستها الخارجية وأسباب ودوافع حربها ضد أوكرانيا، حتى أننا وجدنا شبكات إعلامية ضخمة كنا نظنها مستقلة ومحايدة مثل فوكس نيوز والسي إن إن الإخبارية، والواشنطن بوست والنيويورك تايمز وغيرها، تقود حملة منظمة وموجهة للنيل من روسيا وتأليب الرأي العام الدولي ضدها.

وليس الأمر جديداً؛ فالسياسية الغربية وآلتها الإعلامية الضخمة دأبت على إضعاف مكانة روسيا دولياً لإخراجها من دائرة التنافس على قيادة النظام الدولي القائم والمستقبلي لاسيما بعدما أظهرت موسكو تحدياً لواشنطن والغرب في أكثر من مشهد دولي مؤثر.

لقد رأينا من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية أن معايير النزاهة والموضوعية والحياد الإعلامي تهاوت تحت أقدام المصالح الغربية التي صدعنا مجتمعهم المدني ووسائل إعلامهم بحقوق الإنسان وحرية الإعلام والرأي والتعبير التي جرى انتهاكها بفجاجة في تغطية مجريات الحرب الدائرة على الأرض الأوكرانية تماما كما حدث في حروب وصراعات كثيرة أظهرت انحيازاً واضحاً للغرب مثلما جرى في الحرب ضد العراق التي جرى بث وقائعها من جانب واحد لتحقيق هدف واحد وهو التعتيم وفرض الرؤية والرواية الغربية في كل شيء.. وهو ما يجري الآن مع روسيا التي يتم تحميلها مسئولية الحرب الأخيرة من أجل تحريض الرأي العام العالمي ضدها.

الإعلام الغربي مارس كعادته انتقائية بغيضة لنشر ما يخدم أجندته واستبعاد أو تهميش الرأي الآخر الذي يحاول عرض الأمر من وجهة النظر الروسية حول أسباب ودوافع ومبررات تلك الحرب التي يتحمل الغرب بالتأكيد جانباً غير هين في إشعالها ؛ ذلك أنه لم يستمع بجدية لمخاوف روسيا من تمدد حلف الناتو شرقاً على حدودها ، بل إنه ربما سعى لجرجرة الدب الروسي لحرب استنزاف طويلة في المستنقع الأوكراني.. وكان يمكن للغرب لو أراد أن يطفيء نار الصراع عبر وساطة وتهدئة تنزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها لإنقاذ العالم وشعوبه المغلوبة على أمرها من مغبة أزمة اقتصادية طاحنة تنذر بكوارث ومجاعات واضطرابات لا قبل لأحد بها وقد بدأت تلوح إرهاصاتها في الأفق جنوناً في الأسعار ونقصاً في إمدادات الغذاء والسلع وهو ما أكدته الأمم المتحدة التي توقعت مجاعة كبيرة إذا استمرت تلك الحرب التي يشعلها ويغذيها أصحاب المصالح والقوى الكبرى.

الغرب لم يكتف بحرب التشويه ضد روسيا بل سعى لإسكات صوت الأخيرة وحظر قنواتها الرسمية وعلى رأسها "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" اللتين جرى منعهما من بث رسالتهما الإعلامية، كما قامت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى التي تدير منصات جوجل وتويتر وفيس بوك بمنع وسائل إعلام ممولة من روسيا من استخدام تقنياتها وحرمانها من جمع إيرادات إعلانية عبر تطبيقاتها ومواقعها، وفي المقابل سمحت لوسائل إعلام غربية في أوكرانيا بنشر محتوى غير موثوق وفيديوهات وأفلام وتقارير مزيفة حول الذعر الذي ينتاب المدنيين الأوكرانيين جراء إطلاق صافرات الإنذار ، فضلاً عن عرضها صور أسرى وآليات روسية مدمرة تبين أنها غير حقيقية..ورغم ذلك فلا نبريء إعلام روسيا من ارتكاب انتهاكات أخرى؛ من بينها وصف الحرب الأوكرانية بأنها عملية عسكرية خاصة كانت لازمة وضرورية لمنع توسع الناتو شرقاً وتقليل التهديد الأمني للحلف ، وإظهار جوانب التفوق الروسي في تلك الحرب مع التعتيم على خسائره فيها.

تعامل الإعلام غربياً كان أو روسياً مع الحرب الأوكرانية يجسد لنا حقيقة الدور لجديد الذي يلعبه الإعلام في إدارة الصراعات الدولية؛ وهو دور مدمر للصورة الذهنية للشعوب ما لم يكن للدول رصيد من شبكة العلاقات العامة مع الدوائر الإعلامية العالمية..كما أثبتت تلك الحروب الملعونة التي فاقت خسائرها المبدئية 600 مليار دولار أن الإعلام بات سلاحاً فعالاً يجري توظيفه لقلب موازين القوى بل لعله أهم أدوات الاشتباك الجديد بين الدول متجاوزاً دوره التقليدي في نشر الحقائق وصناعة الوعي والتنوير وتسليط الضوء على قضايا إنسانية تهم الناس وتأخذ بأيديهم إلى بر الأمان.

الحرب الدائرة الآن كشفت عن غياب المصداقية عن وسائل إعلام كان البعض يراها محايدة وموضوعية لكنها وقعت في فخ الكذب والخداع وهو أمر ليس مصادفة بل مقصود ومسيس دفع إعلام الغرب أحياناً للاعتماد على تقارير من مصادر مجهولة متجاوزاً قواعد وأصول العمل الإعلامي الرصين الذي يفترض أن يعلي الحقيقة على ما سواها من اعتبارات.

للأسف بات الإعلام وسيلة لإدارة الحروب والخلافات السياسية بين الدول في عصر الأزمات ومن ثم فلا مناص من إعادة تقييم تلك التجربة دولياً وبناء كوادر متخصصة تستطيع مخاطبة الخارج بلغة يفهمها والأهم أن يقتنع بها في ظل هذا الطوفان الإعلامي غير المحايد وما نتعرض له من حرب شائعات وأكاذيب تستهدف أمننا القومي.

وإذا كنا لا نعرف متى تضع تلك الحرب أوزارها ولا نتائجها وتداعياتها النهائية على الشعوب والدول ..لكن المؤكد أن الكل خاسر فيها ..وأن الشعوب سوف تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ومستقبلها.. وأن العالم بعدها لن يكون كما كان قبلها ..ويبقى الأخطر هنا أن عندنا من تربح من تلك الأزمة حين استبق الأحداث ومارس الجشع والانتهازية وتاجر بالأزمة وتربح بقوت الغلابة ليكسب أموالاً حراماً ويعرض السلام الاجتماعي للخطر وهي جريمة ترقى للخيانة..وهؤلاء مثلهم مثل مجرمي الحرب ينبغي التصدي لهم والأخذ على أيديهم ، فليس لديهم ضمير ولا نخوة ولا يراعون للوطن حرمة ولا يقدرون حجم تحدياته ظروفه..و ينبغي ألا يفلت هؤلاء بجرائمهم التي لن تسقط بالتقادم.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة