من الألف إلي الياء
علي موعد جديد من الصدمات الاجتماعية عاش المصريون ليلتين حزينتين بكت فيهما القلوب دما ألما وتوجعا بعد تكرار حادث إزهاق روح فتاة بريئة،وانتحار شابين أحدهما من فوق برج القاهرة والآخر من أعلي كوبري المنصورة.
ولعل ما زاد القلوب المكلومة ألما وأسي،هو القاسم المشترك لأسباب القتل والانتحار وهو تفاقم المشكلات الاجتماعية والأسرية ،وهو ما يلقي بحجر كبير في بحيرة المجتمع الراكدة، ويلقي بالمسؤولية علي أطراف عديدة، أصبح عليها أن تتحرك فورا قبل فوات الأوان!.
كما أنه يدفع الجميع نحو الاهتمام بقضية الوعي والغرس القيمي ومراجعة ما يقدم من مواد، وربما تؤسس لنفضة مجتمعية شاملة لتدارك الأخطاء والتقصير لمواجهة هذه الظاهرة، والحفاظ على شباب الوطن وكتلته الذهبية ذخيرة اليوم وكنوز الغد ،والتي يفوق
تعدادها ما يزيد عن 50% من مجموع القوى الديمجرافية لأبناء المحروسة.
ومن جديد عاد الجدل المجتمعي وإلقاء التهم يمينا ويسارا بعد مقتل فتاة المحلة علي يد من زميلها، الذي ادعي حبها الطالب بكلية الآداب جامعة المنصورة.
ومع المشهد العبثي المأسوي للجريمة الجديدة عادت قضية التحرش والابتزاز الإليكتروني للطفو علي سطح الحياة الاجتماعية للنقاش ،بحثا عن الحلقات المفقودة والتفسير المقنع لهذه الظاهرة الشاذة علي مجتمعنا،وبحثا عن التشخيص السليم للأسباب، أملا في إيجاد روشتة الحلول الناجعة !
البعض يلقي باللوم علي الأسر المصرية التي انغمست في همومها وأزماتها،وأهملت التربية والمتابعة والرقابة الصارمة لأبنائها وفشلت في تفهم احتياجات الأجيال الجديدة واستيعابهم، ومن ناحية أخري تركتهم فريسة سائغة لمنصات ،لا هدف سوي تحقيق "التيرند"، والسبق والأرباح علي حساب القيم والأخلاق واختراق خصوصيات الناس !.
والبعض يلوم علي الأعمال الدرامية بمختلف روافدها التي أفلحت في تغييب وتزييف وعي الشباب وصنع نماذج غريبة عن مجتمعنا لا تعرف إلا الرغبة الجامحة في التحرر ،والانفلات والثورة علي العادات والتقاليد الإيجابية،ونماذج أخري شاذة لا تعرف إلا العنف والبلطجة وتعاطي المخدرات،كما تفننت الدراما الخبيثة في وضع سيناريوهات للجريمة، وتكريس ثقافة العنف والانتقام !.
وآخرون يتهمون مؤسسات التربية والتعليم الرسمية وغير الرسمية بالتقصير وتراجع دورها في حماية الأجيال الجديدة والحفاظ علي كيان الأسرة والمجتمع.
وهناك من يتهم المؤسسات الدينية والثقافية وغياب دورها في التوجيه والإرشاد ومواجهة الشطط العلماني والثقافات الغربية والأدبيات الواردة.
والبعض يتحدثون عن هوس عصر الثقافة السائلة وخلق تطلعات وأنماط إستهلاكية،مع السيل المتدفق من الرسائل الإعلامية والدرامية،ويطالبون بضرورة وضع ضوابط وسياسات إعلامية وتشريعية جديدة وإبراز النماذج الناجحة والاهتمام بالمبتكرين والمبدعين وتقديم المضامين القيمية الهادفة.
ومع غياب الثقافة والمواطنة الرقمية والإعلام التربوي البنائي، فلا عجب أن تجد كل يوم مأساة جديدة وضحايا جدد ،يلومون مجتمعا تنكر لأبنائه ،واستسلم لظروفه وأزماته ورفع الراية البيضاء مبكرا !!
والخلاصة أن الجميع صادقون في تشخيص المرض وتوصيف الواقع ،لكنهم مقصرون ومتأخرون ،ومتكاسلون في بدء مراحل العلاج!.
وفي هذا السياق أعلنت الدكتورة أمل شمس أستاذ علم الاجتماعبكلية التربية جامعة عين شمس في دراسة حديثة لها أن
التنشئة وبناء الثقافة الرقمية أصبحت أمرا حتميا وضروريا لحماية المرأة ومواجهة العنف والابتزاز الإليكتروني في عصر الثقافة السائلة.
ودعت لضرورة تكثيف الرقابة الأسرية والاجتماعية ،جاء البحث تحت عنون "التنشئة الرقمية لحماية المرأة من الابتزاز الإليكتروني"،وعرض مؤخرا بإحدي مؤتمرات جامعة عين شمس .
تقول د.أمل : تتخلل الرقمنه إحساسنا بالذات وتفاعلاتنا الاجتماعية، خاصة مع تزايد أعداد مستخدمي الانترنت في العالم إلى 4.95 مليار شخص وفقاً لإحصائيات عام 2022، وهو ما يعادل 62% تقريباً من إجمالي عدد سكان العالم، هم "سكان العالم الافتراضي "، وهو ما يُنبئ بعصر يجعل تحديد الهوية والتنشئة على المحك، ومحاولة بناء الحماية الكافية لهويتنا ووجودنا المتخلل في ومن الشبكة، حتى أن جيل التسعينات وتحديدًا منذ عام 1993 أصبح يُطلق عليهم جيل "النقارين" وأحيانا جيل الشاشات أو المواطنين الرقميين ،وذلك نتيجة تداخل العالم الرقمي الافتراضي في العالم والمجتمع الواقعي.
وأوضحت الدراسة أنه في عصر "السيولة"وتحولات عقود العولمة، التي أدت إلى التمركز حول النزعة الاستهلاكية والفَردانية، وانتشار الثقافة السائلة التي تتبنى سياسة الإغراء بدلًا من التنوير، عندئذ تتغير معظم المسارات، وكل ما هو قطعي يخضع للتغيير والاختلاف، مما جعل البعض يعتقد أن الابتزاز ذكاء، وأن الاستغلال قوة، وأن التمكن الرقمي فرصة للتكسب بكل صوره، وهو ما يهدد كافة أفراد المجتمع خاصة المرأة.
وأشارت الدراسة إلي أن التنشئة الاجتماعية كانت تتم من خلال عدة مؤسسات أهمها: الأسرة ،المدرسة، الجامعة، الأصدقاء، ووسائل الإعلام، وأصبحت في العصر الرقمي تتم من خلال الأجهزة الذكية الكمبيوتر والهواتف والتطبيقات المتعددة؛ كالألعاب الالكترونية، ومحركات البحث ،وغيرها بجانب المؤسسات التقليدية، وهو ما أوجد صراعا بين ما هو تقليدي وما هو مستحدث، مما أثر على هوية الشباب والناشئة والأطفال.
والخلاصة أننا في حاجة ملحة لفكرة المواطنة والتنشئة الاجتماعية الرقمية، للانتقاء بين المحتوى الغث والثمين ، لتجنب استغلال البعض قوة تأثير التواصل الرقمي وبناء ثقافة محصنة، للتعامل مع التطبيقات التكنولوجية المختلفة، علاوة علي بناء جسور الثقة مع أبنائنا وبناتنا لتجنب أضرار الابتزاز والتحرش الإليكتروني.
وأتصور أن هناك حاجة ماسة لضبط نمط التعرض والاستخدام المفرط لمفرزات العصر التكنولوجي ،والاهتمام بالأنشطة المدرسية والثقافية والرياضية، وتعزير دور مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية و الأحزاب ومراكز الشباب ،ومن قبلها تدشين استراتيجية إعلامية شاملة لغرس الوعي الشامل.