رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

حين تمعن النظر في مشكلات العالم وأزماته وحروبه وصراعاته سوف يساورك سؤال حتمي: لماذا كل هذا العناء ومن السبب فيما عانته البشرية ولا تزال على مر التاريخ منذ خلق الله آدم وحتى هذه اللحظة التي تشتعل فيها الحرب الروسية الأوكرانية وتضع البشرية على حافة الجوع والهلاك..ومن المستفيد منها..ومن الخاسر الأكبر من ورائها ..وما ذنب الشعوب المغلوبة على أمرها التي لا ناقة لها ولا جمل فيما يجري من صراعات القوى الكبرى وتسابقها على زعامة العالم والانفراد بقيادته.. ؟!

ألم يكف من ينفخون نار الحروب ويشعلون النزاعات ما جنته البشرية التعيسة من دمار كورونا ومن قسوة التغيرات المناخية حتى يزيدوها وجعاً جديداً وأزمات اقتصادية ترفع الأسعار وتنشر المجاعات وتقض مضاجع الإنسانية وتذهب بأمنها واستقرارها..ألا يدرك هؤلاء أن الكل خاسر وأن النتيجة الحتمية هي معاناة الجميع وشقاء الأجيال القادمة ؟!

أليس الجلوس للتفاوض تحت مظلة مجلس الأمن أو الأمم المتحدة لوقف نزيف البشرية من هذه الحرب وتداعياتها الخطيرة واجباً يفرضه الضمير الإنساني الحي وتقتضيه مصلحة البشرية ..ما جدوى الحرب الإعلامية التي تصب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة..وما قيمة ما حققه العالم من تقدم تكنولوجي مذهل بينما تتراجع أخلاقيات وتنحدر بصورة أكثر إدهاشاً حتى باتت الأوبئة وكأنها رسالة السماء لأهل الأرض أن كفوا عن الإفساد وعودوا إلى رشدكم قبل أن تقع الطامة الكبرى..فهل قادة العالم ومن تسببوا في هذه الأزمات يدركون مغبة ذلك أم يمضون في غيهم حتى آخر الشوط غير عابئين بأنين البشر وعذابهم!!

أما لماذا كل هذا الضجيج وهذه الخطايا ؟!..والإجابة ببساطة هي انعدام الضمير، وسوء الأخلاق..وهي من نتاج مرض القلوب أو موتها ..فما هو الضمير إذن..؟!

اختلف الفلاسفة والمفكرون وعلماء النفس والاجتماع في تعريف الضمير.. لكني أميل إلى تعريف بسيط يقول إن الضمير هو الشريك الخفي في كل عمل نقدم عليه وكل قرار نتخذه في حياتنا، هو ذلك الأنا الآخر القائم في أعماق كل منا، رقيب ساهر دائمًا يقوّم السلوك والأداء؛ ظل حي لا يعكس فحسب شكل صاحبه بل يجسد له نموذجًا مستقيمًا يذكّره دائمًا بضرورة تعديل أو تغيير شيء ما خطأ بداخله، وضرورة تهذيب النفس كي يستحق صاحبها الحياة التي تليق به.

الضمير مجموعة قيم ومباديء ومعتقدات ومسلمات ومُثل ورؤى ورموز تسكن في أعماق الإنسان وبقدر وضوح تلك المكونات ونصاعتها في ذهن صاحبها وانسجامه معها يأتي تماسك شخصيته ومنطقية مواقفه وسلوكياته ومن ثم فإنك ترى أن الشخص الذي يمتلك ضميراً يقظاً مبادئه ثابتة ويقينه راسخاً ومعتقداته لا تتزعزع ومثله العليا لا تفقد بريقها وقيمه تخط له سير حياته؛ فيأبى التنازل عن قشة من رصيده الأخلاقي ولو بكنوز الأرض كلها؛ لا تهزه المساومات ولا تلعب به الرغبات..فقد علمتنا تجارب الحياة أن المصالح كثيراً ما تتعارض مع المباديء وهو ما يفرض علينا أن نتخلى عن بعض مصالحاً صوناً لمبادئنا.

الضمير هو صوتك الداخلي الذي يقول لك: افعل أو لا تفعل، هو ذاك الصوت الصامت والمدوي في آن! المنطلق من عمق الذات، وهو الوحيد القادر على ردع صاحبه وضبط إيقاع سلوكه في الحياة. ولكن لكل منّا علاقة مختلفة مع هذا الرقيب، وهذا الأنا الآخر!

وبقدر قوة الضمير يأتي الصوت عالياً من الأعماق يمنع صاحبه من ارتكاب الحماقات والأخطاء وحتى لو وقع فيها عن ضعف أو استخفاف فإنه سرعان ما يفيق ويرجع ولا يتمادي في غيه بل قد يندم ويبادر بإصلاح ما وقع منه للتكفير عن ذنبه.. وهو ما نسميه صحوة الضمير التي ترشد صاحبه لفعل الخيرات وترك المنكرات والموبقات!!

الفارق بين إنسان ذي ضمير وبين آخر لا ضمير له كالفارق بين الحي والميت، بين الخير والشر والحق والضلال ..وشتان بين من يمشي وراء صوت ضميره ويتحسس نداءه وبين من يخالف ضميره وإنسانيته وعقله ودينه ..فإذا رأيت الدنيا تسودها شريعة الغاب فاعلم أن الضمائر في إجازة..وأنه لا صلاح للعالم إلا بعودة الضمير الإنساني في صورته الأولى.

وإذا كان العالم يرنو إلى الخلاص من الأمراض والأوبئة على يد العلم؛ فما قيمة علم بلا ضمير..فكيف تتوقع خيراً من ذوي علم لا يبتغون به وجه الحق ..فمن لا يملك ضميراً لا يملك روحاً..أي أنه شخص ميت.

أما الخلاص الحقيقي لإنسان اليوم فهو عودة الضمائر الحية لاسيما في مجتمعاتنا الإسلامية التي هي أولى بحسن الخلق الذي بعث لأجله سيد الخلق حيث يقول صلى الله عليه وسلم" إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"..ففي الزمن الجميل الأول كان إذا عطس إنسان في الشرق شمّته من في الغرب وإذا استغاث من الشَّمال تنادى من في الجنوب لإنقاذه.

وما كان ذلك ليحدث لولا ضمير حي يقظ حمله الرعيل الأول بين ضلوعهم ..فبمثل هذا الضمير عاشوا وسادوا الدنيا كلها قروناً عديدة..فالضمير الحي هو النفس اللوامة التي تلوم صاحبها إذا حاد عن جادة الحق وترده إذا أخطأ فيبادر بالتوبة والرجوع إلى ربه" وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: 135).. ومن ثم ظهرت اهتمامات المسلمين بالضمير من خلال وصل تلك القوة الإنسانية بالمقاصد الدينية عبر التربية التي أعطوا لها صورا متعددة بدءا بالروح وانتهاء بالقلب.

الضمير اليقظ ينادي صاحبه دائماً أن الله معك يسمع ويرى ويحاسب، وهو من مقام الإحسان "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"..وصاحب هذا الضمير هو مؤمن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب ويزن أعماله قبل أن توزن عليه"..وهو دائماً ما يسأل نفسه: ماذا أفعل..ولماذا أفعل..ولمَنْ أفعل..؟!

فهل يملك قادة الدول الكبرى المتصارعون ضمائر حية..وهل فكروا في عاقبة هذه الحرب الدائرة الآن قبل إشعالها..ومتى كانت الحروب وسيلة لحل المشكلات..وماذا سيفعلون مع الخراب والدمار والجوع الذي سينتج حتماً عن مثل هذا الجُرم العظيم ..؟!

ما أحوج أمتنا إلى مراقبة الله تعالى وإيقاظ ضمائر أبنائها..ليعود المسلم إلى حياته عاملاً فاعلاً مثمراً وتعود للأمة مكانتها وتملك زمام مستقبلها..فلا يصح وهي خير أمة أخرجت للناس أن تعج بما نراه في واقعها من خيانة للعهود والعقود وضياع للحقوق وازدياد في العقوق وهتك للحرمات وانتشار للفساد وخراب الذمم والموبقات وانحراف عن منهج الله تعالى..وما نحسب ذلك إلا نتاجاً لموت الضمير واتباع الهوى والشيطان مصداقاً لقوله تعالى: " وإِذا خلوا إِلى شياطينهِم قالوا إِنا معكم إِنما نحن مستهزِئون" (البقرة:14).

إذا مات الضمير فلا خير في صاحبه وساعتها يمكن له أن يفعل أي شيء وكل شيء، ويمسي الفساد والإفساد أمراً متوقعاً، وعلاج ذلك كله يكمن في أن نوقظ ضمائرنا ونراقب الله في السر والعلن؛ ذلك أن الضمير يولد مع صاحبه بالفطرة ثم ينمو في داخله أو يضعف ويتوارى ؛ وهو متجذر في كل إنسان، فقيراً كان أو غنياً، مسئولاً كان أو موظفاً عادياً؛ فإنسانية المرء وضميره صفتان متأصلتان فيه فإذا ما أصاب الخلل إحداهما أو كلتيهما فالعاقبة وخيمة على الفرد والمجتمع وربما البشرية كلها، وهما كذلك من الأشياء المجردة التي لا ترى بالعين المجردة لكن نلمسها من خلال المعاملة وإعطاء الحقوق ونشر العدالة ..وما نراه من جرائم وسرقات وتفنن في القتل وتدين شكلي مزيف وزرع للفتن واحتكار للسلع وحرمان الفقراء من الحق المعلوم في زكاة الأغنياء وتواكل وكسل وتبذير وإسراف وبث للشائعات واتهام الآخرين بتهم باطلة بلا دليل وسوء الظن وانتهاك الخصوصيات ..وغيرها من الأمراض الاجتماعية التي أساسها موت الضمير الذي يخرج صاحبه من حدود الإنسانية وحتى الحيوانية " أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (الفرقان:44).

وكما تنعدم الضمائر في آحاد الناس تنعدم أيضاً في الدول؛ وإلا فماذا نسمي معاناة دول بفقرها رغم غناها بالموارد ورغد دول بالعيش رغم شح مواردها..فمن المسئول عن هذا وذاك..؟!

الضمير صوت شجاع يقف بكل عنفوان أمام الظلم وفي وجه القوة مهما تكن ضراوتها هو صرخة ضد كل مخالفة للقيم والمباديء المثلى ..ولا عجب إذا مات الضمير أن تطفح النفس البشرية بكم هائل من الحقد والحسد والكرْه والنفاق وقطع الأرحام والتجرؤ على المحارم وانتهاك الحرمات والشماتة في الموت والمرض..إذا مات الضمير فستجد بشراً ميتاً لا تأخذ منه حقاً ولا باطلاً ..فكم من سجين حكم عليه بشهادة زور ..وكم من فقير مات في هذا العالم بسبب الجوع والصراعات والحروب..!!

وهنا يثور سؤال: هل يرتبط الضمير بالتعليم ؟!..و الإجابة بالقطع لا فكم متعلم تجده ظالماً منافقاً متملقاً وجباناً..فالضمير غريزة تتحكم بصاحبه المتعلم وغير المتعلم ..فالضمير تصرف الإنسان مع البشر في محيطه الخارجي ومع كل من حوله حتى الكتابة هي جزء من عقلية الإنسان تتحكم فيما يمليه من أفكار بناءة لا هدامة تدعو للقتل وسفك الدم أو الفتنة.

الضمير هو الرقابة العليا التي تحيط بالإنسان وتلازمه في سكناته وحركاته وكل أفعاله؛ هو دليله إلى الحق ومانعه من الشر ومؤنبه على الخطأ..وهذا الضمير يُبنى مع الإنسان رويداً رويداً، وهنا يأتي دور الأسرة في تنميته ومنحه القدرة على الثبات إذا ما تعارضت بعض مصالحنا مع ما تربينا عليه من مُثل وقيم صالحة..فقد يخسر المرء على المدى القصير لكنه الرابح الأكبر على المدى البعيد حيث لا نجاة ولا فوز من غير ثبات على الحق واستمساك به.

انعدام الضمير أزمة هذا العصر؛ أزمة جيل بأكمله يعيش أغلبه بلا ضمير في ظروف قاسية لكنها ليست شماعة يعلق عليها البعض أخطاءهم فلكل عصر ظروفه ومآسيه..فماذا جرى لنا..لماذا كل هذا الإسفاف والتردي في لغة الحوار اليومية التي حمل بذاءة وقبحاً لا يرى شبابنا وصغارنا غضاضة في المجاهرة بها على أعين الناس دون رادع ولا معقب..أين ذهبت ضمائرنا ..وكيف اختلت منظومة الضمير التي ترسم للإنسان طريق الفضيلة وتميز له الخير من الشر..لماذا هذا الجموح وطغيان المادة على كل شيء حولنا حتى صار إنسان هذا العصر كالآلة..لماذا تراجع دور المؤسسات المعنية بصناعة الأخلاق والضمير والوعي ..؟!!

هناك حالات يكون الضمير فيها نائمًا ولكن ليس في سباتٍ عميق، بمعنى أنه يمكن إيقاظه كي يقوم بدوره كرقيبٍ ضابطٍ لإيقاع الحياة..وهو ما يجب أن تنهض به الأسرة والمدرسة والأزهر والكنيسة ومؤسسات الثقافة والشباب..فهل فعلت..؟!

إيقاظ الضمير مهمة مجتمعية جديرة بالاهتمام والعمل، فهي وسيلتنا الوحيدة نحو مجتمعٍ منتظمٍ وراقٍ وسليم ومنتج.

من الأجدى أن نعمل جميعاً على تفعيل وإحياء دور الضمير في كل منّا؛ ذلك أنه الحارس الوحيد الذي يغني عن كل الحراس الآخرين في تنظيم حياة الجميع وردع المجرمين فهو يعرف النوايا قبل وقوع الخطأ فيقوم بدوره العظيم رادعًا صاحبه عن ذلك بقناعة والتزام، مولدًا حالة انضباط فردية سرعان ما تتحول إلى حالة انضباط عامة في المجتمع ككل!

المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، وهي بلا شك مهمة شريفة تستحق أن تبذل من أجلها كل الجهود وقد تستلزم وقتًا طويلًا، لكن نتائجها رائعة على المدى البعيد في بناء المجتمع الصالح والمتقدم والحضاري الذي هو غايتنا وأملنا..فهل نتحرك..؟!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة