رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

قفزت قضية سد النهضة إلي سطح الأحداث وبدأ الرأي العام المصري يتحدث عن جدوي عودة المفاوضات ،مع إعلان أثيوبيا مؤخرا تشغيل أول توربين وبدء إنتاج الكهرباء والإحتفال رسميا بهذه الخطوة ،باعتبارها التمهيد الأول لتجفيف الممر الأوسط والبدء في إجراءات الملء الثالث،وبصورة منفردة، مع توارد أخبار تؤكد أن تشغيل التوربين " اليتيم" تم بصورة إفتراضية ولم يبدأ بعد وتم الاحتفال بمولد مازال في بطن أمه!

ويبدو أن آبي أحمد أراد بهذه الخطوة كسب الرأي العام الأثيوبي وكأنه حقق نصرا كبيرا ،للتغطية علي الفشل الذريع في إدارة أزمة تيجراي والنزاعات الطائفية والتي قد تكون سببا في تقسيم البلاد.

لكن هناك علامات إستفهام علي سياسات أديس أبابا المريبة ، تجاه حسم أزمة سد النهضة والتوافق علي آلية وإتفاق ملزم يحقق لها ما تتوق له من تنمية دون إضرار بدولتي المصب وإتقاء شرور وتداعيات الفقر المائي.

ومن الملاحظ أن أثيوبيا تسير خطوة للأمام وآخري للخلف ،وتنتهج ببراعة إستراتيجية التضليل والمسكنات لكسب الوقت،وتصر علي إقتراف عدد من الحماقات والخطايا للهروب من أي إتفاق ، وكما الثعلب المكار تعطيك من طرف اللسان حلاوة وتروغ منك كما يروغ الثعلب ، فمنذ أسابيع قليلة قبيل إجتماعات الإتحاد الإفريقي في الأسبوع الأول من شهر فبراير أعلنت علي لسان رئيس الوزراء آبي أحمد أنها علي إستعداد للتعاون مع مصر والسودان وإحياء المباحثات والإنطلاق من فكرة أن مشروع السد عمل تنموي سيحقق أهدافا مشتركة، لكنها تعود وتتهم السودان بأنها السبب في تعطيل المفاوضات!.

وفي ظل تصاعد وتيرة الأحداث إقليميا ودوليا ،أعتقد أنه من الحكمة العودة لصوت العقل، وتجنب مزيد من الخلافات وغرس التوتر مع دول الجوار، بعد أن أكتوت بنيران الصراعات الطائفية الخبيثة ودخلت معترك حرب أهلية ،كادت أن تعصف بها وتأكل الأخضر واليابس.

كما أن إشتعال حرب روسيا وأوكرانيا الضروس وتداعياتها الإقليمية والأممية تستوجب التهدئة ودعم أواصر التعاون وتدشين مشروعات تنمية مشتركة، بدلا من سياسات المراوغة والتلون والخداع والتي لن تضر حتما إلا بأصحابها ،بعد خسارة عشرات الفرص الضائعة للتوافق وإنهاء الأزمة.

أتصور أن دروس الماضي ومستجدات الواقع تحتم ضرورة إستئناف المفاوضات، ويجب أن يمتلك الاتحاد الأفريقي الأدوات اللازمة للضغط علي أثيوبيا وفرض القانون الدولي الذي يلزم كافة الأطراف بإحترام الأعراف والمواثيق الدولية.

وهناك دعوات متعقلة ينبغي إستثمارها، للبحث عن منافع وشراكات بين الدول الثلاث، كإحياء فكرة الربط الكهربائي، وأحياء فكرة قناة "جونجلي" بجنوب السودان واستقطاب فواقد مياه النيل وتعظيم الاستفادة منها، والتي قد توفر ما يزيد عن 25 مليار متر مكعب من المياه، بعدة مناطق بأثيوبيا وجنوب السودان، وخاصة مع توقعات بموسم أمطار وفيضان مرتفع خلال الشهور القادمة علي بحيرتي فيكتوريا وتانا.

وأعتقد أن تصحيح المسار يبدأ بمد جسور الثقة والتخلي أيضا عن أساليب المناورات والمكايدات التي تتبعها أديس أبابا، للتغطية علي إختراقها لكافة المواثيق الدولية ،فبعد احتفاء أثيوبيا بتشغيل أو توربينة ، قدمت مصر احتجاجا رسميا يفيد بمخالفة هذا التصرف المنفرد لإعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاثة والقوانين والأعراف الدولية وكذلك البيان الرئاسي لمجلس الأمن ،بالاضافة لعدم قيام الجانب الأثيوبي بإعداد الدراسات البيئية للسد وتداعياتها السلبية على دولتى المصب، وقامت مصر بإرسال صورة من الخطاب لمجلس الأمن لاستكمال ملف الشكوى المصرية المقدمة ضد المخالفات الأثيوبية فى هذا الشأن.

بعدها قامت أديس أبابا بإرسال خطاب إلى وزير الرى المصرى وصورة منه إلى مجلس الأمن، تتحدث فيه أنها تتصرف كما تتصرف مصر فى استغلال مياه النهر منفردة بدون إخطار أثيوبيا عن توسعاتها الزراعية وغيرها من المشاريع التنموية، فى تجاهل تام لاتفاقية 1902، وأنها تتصرف أيضا فى حدود حصتها المائية المقررة بالاتفاقيات الدولية.

وبطبيعة الحال لم تذكر أثيوبيا أن هذه المشاريع المصرية تقوم على تحلية مياه الشرب وإعادة استخدام مياه الصرف بعد معالجتها والتى تكلفت مئات المليارات، للخروج تدريجيا من آثار الفقر المائي.

وتظل المشكلة الحقيقية لدي أثيوبيا نفسها وفى القائمين عليه، التي دأبت علي التنصل من إلتزامها الدولي والاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر. السودان ، وتريد المتاجرة بمياه النيل الأزرق، وترى أن النهر نهرها ولها الحق فى بناء ما تراه وأخذ ما تريده!.
وتبقي الحلول ممكنة لو خلصت النوايا التي تدعمها الإرادة الصادقة لإنهاء النزاع بالطرق الدبلوماسية، دون اللجوء لسيناريوهات بديلة، قبل فوات الأوان!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة