رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مقوله مهمة ذكرها السياسي المخضرم ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر، اكثر من مرة في كتاباته وهي" ان كل دولة قوية تحتاج الي عدو قوي".. هذا هو مضمون الصراع وحقيقته المجردة

اما ما يحدث في ازمة أوكرانيًا.. فهو ليس صراعا بين واشنطن وموسكو علي محاولة انضمام كييف الي حلف الناتو، لكنه محاولة أمريكية للحفاظ علي ما تبقي من النظام احادي القطبية الذي ورثته واشنطن في اعقاب انهيار جدار برلين نهاية الثمانينيات من القرن الماض،على الرغم ان هذا النظام يتداعى حاليا بدخول الصين وتحالفها المحتمل مع روسيا وظهور كلا من الهند واليابان في الخلف منهما.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد عرض صراحة علي الإدارة الامريكية في عهد الديمقراطي باراك أوباما ان تنضم روسيا الي الناتو.. بالطبع رفض الأخير هذا الطب..

بوتين يدرك تمام انه اذا انضمت روسيا الي الحلف لن يكون هناك أي مبرر للصراع بين الشرق والغرب وستنتهي حرفيا مخاوف دول الاتحاد الأوروبي وامريكا من أي محاولات روسية للتمدد غربا، لأنها ببساطة ستكون جزء من هذه المنظومة وتخضع لقوانينها، ولكن الطرف الأمريكي له وجهة نظر اخري، فهو يدرك جيدا مخاطر هذا الانضمام الذى سيضع حدا والي الابد للهيمنة الامريكية علي الغرب، بل الأكثر من هذا سيعيد انتاج نظام عالمي بدون عدو حقيقي يمكن ان تستخدمه الولايات المتحدة لتنمية وتطوير صادراتها العسكرية التي تعتمد عليها في تحسين اقتصادها وضمان هيمنة الدولار علي سوق العملات العالمية..

والمتابع للسينما الامريكية في هوليوود يمكن ان يري ببساطة كم الأفلام الروائية والوثائقية والعسكرية التي تشيطن الروس سواء علي مستوي الدولة والسياسيين او علي مستوي الافراد والأشخاص ورجال الاعمال الذين يظهرون في صورة واحدة فقط ، "المافيا الروسية" التي تتاجر في كل شيء بداية من المخدرات وتجارة السلاح والهجرة غير المشروعة والرقيق الأبيض وصولا الي بيع الأسلحة النووية.

لا يمكن باي حال من الأحوال رصد حجم مدخولات صناعة السلاح في الاقتصاد الأمريكي ، فهناك ارقام معروفة عن عمالقة الصناعة هناك مثل "ابل" و"مايكروسوفت" الا انه يكاد يكون من المستحيل وجود رقم حقيقي عن اسهام الصناعات العسكرية في التنمية داخل الولايات المتحدة.. علي كل حال يمكننا التعرف علي مؤشرات لهذا الاسهام من خلال ما جاء في التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري"، لعام 2020، الذي اكد أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ في عام 2019 أعلى مستوى له منذ اربعة عقود، مدفوعا بشكل أساسي من الولايات المتحدة والصين. فيما خرجت روسيا من صفوف الخمسة الأوائل في مجال زيادة الإنفاق العسكري للمرة الثانية حيث الاولي كانت في عام 2018.

واعتبر التقرير ان الولايات المتحدة تعتبر أكبر منفق على السلاح في العالم بقيمة تزيد عن 700 مليار دولار، بزيادة عن العام السابق بأكثر من 5 بالمئة.

وقال معهد ستوكهولم إن نصيب الولايات المتحدة من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي بلغ 39 بالمئة في عام 2020، مشيرا إلى أنها أنفقت ما يقرب من إجمالي ما أنفقته الدول الثمانية الكبار التالية لها في القائمة، ومع ذلك، فإن إنفاق الولايات المتحدة لا يزال أقل بنحو الخمس عن أعلى مستوى إنفاق لها والذي كان في عام 2010. بمعني آخر فان صفقات صناعة السلاح الرسمية فقط وعلى حسب بعض التقارير الصحفية العسكرية تدر علي الولايات المتحدة سنويا ما يقرب من 3 ترليون دولار هو رقم تقريبي لكنه ضخم ومهول وفي جميع الأحوال يفوق موازنه دول متوسطة الحجم.

أمريكا اذن تسعي من خلال ازمة أوكرانيا للحفاظ على عدو قوى للتحفيز وإبقاء خطر تعرضها لهجوم من هذا العدو لاستمرار صناعة وتجارة السلاح باعتباره الوحيد القادر على نمو الاقتصاد الأمريكي لتوفير أنماط جديدة من الرفاهية للشعب الأمريكي، في مواجهة الاقتصاديات العالمية مثل الصين وأوروبا التي تسعي هي الأخرى لتحقيق نفس الهدف.

القضية هي اذن قضية البقاء والاستمرار في السيادة والزعامة مهما كانت العقبات ومهما كانت التضحيات.. هكذا هو الصراع.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة