رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

لا يدرى بقلوب عباده إلا خالقها، ولا يطلع عما تكنه نفوس البشر من خير أو شر إلا علام الغيوب، والذى يحاسب الناس على أعمالهم وما تكنه نفوسهم من خير أو شر هو الخالق سبحانه وتعالى.. ولذلك ليس لأحد أن يحكم على عمل غيره، أو يتنبأ بمصيره وهو بين يدى خالقه، وما يمارسه هؤلاء الكذابين الذين يحكمون على الموتى ويدخلون بعضهم الجنة وبعضهم النار هو شكل من (الدجل الدينى) الذى يخدعون به البسطاء، كما يخدعون به نفوسهم المريضة.. فهؤلاء يدعون التدين والتقوى وكل يوم يقدمون الأدلة والبراهين على أنهم أبعد خلق الله عن الدين والعمل الصالح.

الموت حق على الناس جميعا، الأخيار يموتون والأشرار كذلك، ولا أحد يخلد فى هذه الدنيا، ولا يقاس صلاح الإنسان بطول عمره، ولا بطريقة موته، وكل إنسان يذهب بعمله الى خالقه، وهو الذى يحاسب عباده على ما قدموا من خير أو شر، وليس من صلاحية البشر مهما كانت درجة صلاحهم أن يتنبأوا بمصير شخص رحل من الحياة الدنيا الى دار البقاء، فما يظهر لنا من سلوك الإنسان لا يكفى للحكم عليه.. فالحساب على يد من يملك الحساب، والجزاء على قدر العمل.. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

لقد ابتلينا بأناس لا خلاق لهم يختفون معظم الوقت، ولا يظهرون إلا فى المصائب، فيفرحون ويهللون ويملأون مواقع التواصل الاجتماعى سخفا وضجيجا عند موت بعض من يختلفون معهم، خاصة من تصدوا لكشف أكاذيبهم ومواجهة ضلالهم وكشفهم للناس.. هؤلاء الذين قست قلوبهم فأصبحت كالحجارة أو أشد قسوة، وماتت مشاعرهم الإنسانية، أصبح موت من يختلفون معهم مصدرا لسعادتهم، وهى سعادة زائفة، فقد حرم الله هؤلاء من السعادة الحقيقية لأنهم بلا مشاعر وبلا أخلاق وبلا كرامة.

شمت هؤلاء فى موت وائل البراشى مع أنهم كانوا يصفقون له عندما كان يتبنى فى عمله الإعلامى أصوات المعارضة، وشمتوا فى موت المستشارة تهانى الجبالى لأنها ماتت بالوباء، مع أن ضحاياهم من الوباء يتساقطون يوميا، وشمتوا فى موت الكاتب الصحفى ياسر رزق مع أنه مات على فراشه وقابل ربه دون أن يتألم أو يعانى، وهى ميتة يتمناها كل العقلاء وأصحاب النفوس السوية.. ولم نعد ندرى ما الذى يسعد هؤلاء وما الذى يحزنهم وأصبح ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هو الغافلون".. وما أقسى على الإنسان أن تموت مشاعره الإنسانية ويمتلىء قلبه بالحقد والغباء فتكون الأنعام أكثر منه إنسانية ورحمة وبصيرة.

****

أصبحت على يقين بأن الشامتين فى الموت والمدمنين لسب الموتى والمرددين للشائعات والأكاذيب حولهم وصلوا لمرحلة صعبة جدا من موت المشاعر تدعو للشفقة عليهم، لأنهم مغيبون وأجريت لهم عمليات غسيل مخ جعلت منهم أصناما على هيئة بشر.. أجسادا وعقولا تخلو من كل القيم الأخلاقية النبيلة، فموت الآخرين يسعدهم، ونجاحهم يجلب لهم الحسرة والنكد، لذلك يعيشون فى نكد دائم وحسرة لا تنتهى.

رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى تعرض لكل أشكال الظلم والتآمر والمكائد من اليهود قام لجنازة يهودى مرت من أمامه، ولما استغرب بعض الصحابة سلوك النبى وقال له بعضهم "إنها ليهودى" رد عليهم "أليست نفسا".. ورفض رسول الله صلوات الله وسلامه عليه سلوك الشامتين ونهى عن هذا السلوك قائلا:"لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك".. ولذلك قال الشاعر على لسان الموتى النبلاء الذين شمت لموتهم الأوغاد:" (فقل للشامتين بنا أفيقوا .. سيلقى الشامتون كما لقينا)

تقول دار الإفتاء فى فتوى لها:" الموت ليس مناسبةً للشماتة، وليس فرصة لتصفية الحسابات، بل هو مناسبة للعظة والاعتبار، فإن لم تُسعفْكَ مكارم الأخلاق لتدعو للميت وتغفر له، وتسامحه لو كان قد ظلمك، أو جار على حق لك؛ فلتصمت ولتعتبر، ولتتفكر في ذنوبك وما اقترفته يداك وجناه لسانك، ولا تُعيِّن نفسك خازنًا على الجنة أو النار؛ فرحمة الله عز وجل وسعت كل شيء."

****

لم يكن الكاتب الصحفى ياسر رزق الذى رحل منذ ساعات بأزمة قلبية مفاجئة وودعه المصريون الشرفاء وداعا حارا، غلاطا ولا كذابا ولا ظالما.. بل كان إنسانا

رقيق المشاعر، ناجحا فى عمله، كاتبا صحفيا متميزا، مخلصا لوطنه، حريصا على استقراره، مدافعا عن قضاياه، ولذلك كرهه الأوغاد كما يكرهون كل وطنى مخلص، وشمتوا لموته وكأنه قد خالف نواميس الحياة، ووصلت الحقارة بأحدهم أن يكتب على "تويتر" مناشدا عصابته الضالة ومن على شاكلته من المجرمين أن "يوزعوا الشربات" تخيلوا أن تصل بهؤلاء الحقارة والانحطاط الى هذا المستوى، ولو يدرك هذا المجرم كم كان ياسر رزق محبوبا وسط زملائه، خدوما لمن يطلب مساعدته، متواضعا فى التعامل مع كل المحيطين به ما عبر عن سعادته بموته.

لقى ياسر رزق ربه إنسانا عزيزا ووطنيا مخلصا لدينه ووطنه ومهنته.. وسيظل الأوغاد على ظهر الأرض يعيثون فسادا، وينشرون الأكاذيب، ويجسدون كل الأخلاق السيئة ليجلبوا لأنفسهم ولأسرهم اللعنة وينتظرهم عقاب الخالق، وصدق الحق سبحانه:" إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون".. صدق الله العظيم

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة