إلى الأمام
لا يستطيع أحد ان ينكر ان الاحتفالات بيوم اللغة العربية العالمي قد أحدث حالة مهمة وملموسة على الساحة الفكرية.. حالة خلقت امالا وتطلعات وتدق معها اجراس انذار للتحذير من اخطاء وخطايا ومؤامرات وتثير دعوات مشحونة برغبات بضرورة عمل شيء ما لإنقاذ ما يمكن انقاذه بعد طول ثبات وضرورة ان يصاحب الكلام المعسول خطوات عملية على ارض الواقع لترجمة الحب المتصاعد للغة القران ووحي السماء ..
شاركت في احتفال هذا العام مع جامعة اسيوط وكان احتفالا مميزا متميزا اذ خصصت الجامعة اسبوعا كاملا للاحتفاء باللغة العربية
شارك فيه بفاعلية رئيس الجامعة العالم الخلوق د.طارق الجمال ونواب رئيس الجامعة د. شحاتة غريب د.مها غانم د.محمد الطيب رئيس مركز اللغة العربية ود.اسماء عبد الرحمن مسئولة الانشطة الثقافية.الفاعليات تنوعت لتشمل اشياء كثيرة لها علاقة وطيدة باللغة تتأثر بها وتؤثر فيها وطرحت الكثير من القضايا الحيوية التى ينبغي الالتفات اليها اذا كنا نبحث حقيقة عن وسائل وطرق ناجعة لخلق حالة حب حقيقية وفاعلة للغة العربية تتجاوز الرغبات والعواطف ابتداء من معارض الخط العربي وابداعات الطلاب واساتذة الفنون الجميلة ثم اعمال فنية للشباب من اغان والقاء قصائد ومسابقات في الشعر والقصة الى جانب المسابقات الدينية في حفظ القران الكريم والاحاديث النبوية طبعا الى جانب الندوات العلمية عن اللغة والمستقبل شارك فيها نواب رئيس الجامعة د. شحاتة ود.مها ود. الطيب ود.محمد عبد الملك نائب رئيس جامعة الازهر ود.حافظ المغربي بكلية دار العلوم جامعة المنيا والعبد لله مجاهد خلف وادارها د/ محمود عبدالمعطى وكيل كلية الاداب.وسيشارك فضيلة د. مختار جمعة وزير الاوقاف في الندوة الختامية الاحد القادم.
سهام كثيرة وبحق نالها الاعلاميون وخاصة المذيعون والمذيعات وايضا والمنورطون في هوجة الغناء الحالية والهجوم الاعلامي الفضائي سواء الغربي او الداخلي عربيا وقنوات الغناء والرقص والدراما والترجمات للاعمال الاجنبية باللهجات المحلية بعيدا عن الفصحى والتى اضرت كثيرا باللغة العربية واشاعت روحا معادية للفصحى في المنطقة العربية كلها.
في كلمتى حاولت رصد الواقع الاعلامي وما يفعل بالعربية وتوقفت طويلا امام الفضائيات حيث يتعرض المواطن العربي لاشعاعات ما يقرب من 1411 قناة بينها 17 فضائية تابعة لدول اجنبية تستهدف المنطقة العربية بلسان عربي.وتلك الفضائيات ليست بريئة ولا محايدة وتروج لمضامين واهداف وافكار واطروحات تلتقي ومصالح بلدانها للتأثير في العقول والنفوس والاذواق والتحكم في الوعي العام وهي تعمل بالاساس لتهيئة العقل العربي لتقبل النموذج الغربي والبعض يعتبرها امتدادا لفكرة الاذاعات الموجهة قديما للعبث بالعقول وممارسة التضليل والقيام بعمليات غسيل الدماغ المعروفة تمهيدا لحملات الشر والهيمنة والسيطرة على المنطقة.
قنوات الرياضة تتصدرالفضائيات العربية 170 قناة تليها الدراما 152 قناة تليها المنوعات الغنائية 124 قناة تليها الدينية 95 قناة والقنوات الاخبارية 68 قناة فقط!
وعلى عكس ما كان يأمل المتأملون لم يكن الانفتاح الاعلامي الفضائي بردا وسلاما على اللغة الفصحى في كثير من الاحيان بل انه فتح بوابات جهنم التى تكاد تاكل وتحرق الفصحى حرقا لصالح اللهجات العامية واللكنات المحلية واللغات الهجينة المولدة عشوائيا بلا ضابط او رابط في كثير من الاحيان.وهذا الانحراف نحو العاميات ادى الى مزيد من الانتهاكات للفصحى وحرمة اللسان الفصيح.
** لا ابالغ اذا قلت بان كثيرا من الفضائيات اضافت المزيد من الغربة والتغريب للفصحى في هذا العصر باعتبارها لغةً جزلةً رصينةً قيمةً اعتنت بالعلوم والآداب والحضارة والفكر وحفظتها على امتداد قرون.
ورغم أن لغة الصورة أخذت موقعاً متميزاً الا انه صاحبها تراجع في استخدام اللغة الفصحى في الممارسة والبرامج مع طغيان العامية ونتج عن ذلك الكثير من الأخطاء اللغوية.
الواقع يكشف عن حالة من التدهور يصعب تصورها والمتابعة والملاحظة المباشرة والتنقل السريع بين القنوات بالريموت يكشف الضعف العام في المستوى والاداء اللغوي. والدراسات الميدانية حول الفضائيات واللغة تؤكد ان الفضائيات خلقت واقعا لغويا متفلتا وان هناك تراجعا كبيرا في الاداء اللغوي وان الحضور اللغوي السليم قلق ومتزايد على الفضائيات..
وارجعت الدراسات ذلك الى ضعف كفاءة الوسائل الاعلامية وتنوع اللهجات المحلية وضعف مستوى المذيعين والمذيعات وتأثرهم باللغات الاجنبية واعتماد لغة مزدوجة بين العامية والفصحى اضافة الى ضعف المستوى الثقافي بصورة عامة..
اضافة الى تراجع مستوى النص الاذاعي والتلفزيوني وايضا غياب مرجعية لغوية يمكن الرجوع اليها بشكل مستمر او حتى عند الضرورة.
من الامور اللافتة في معضلة الفضائيات ما يتعلق بالبرامج الخاصة بتعليم اللغة للأسف الشديد لم تعط الفضائيات العربية اهتماما لتعليم العربية مثلما هو الحال مع القنوات الاجنبية الناطقة بالعربية والتي تنتج برامج تعليمية عالية المستوى شديدة الجاذبية كما يحدث في البي بي سي وبرنامج بي بي سي اكسترا .
ادعو بجدية الى دراسة النموذج الخاص بتعليم اللغة الانجليزية وكيف يتم اعداده والترويج له لمخاطبة كل المستويات والارتقاء بالبرنامج مع تقدم مستوى اللغة واستخدام وسائل ايضاح ومساعدة على النطق الصحيح والحوار في المواقف المختلفة وتوظيف الاغاني وغيرها لتشجيع المشاهد على استخدام اللغة بسهولة..
ويتم تعزيز تلك البرامج بوضعها على الانترنت للرجوع اليها مجانا في اي وقت ونسخها وغيره..
للاسف الشديد كانت هناك تجارب قديمة لتعليم العربية عن طريق التلفزيون والراديو قبل البث الفضائي وخاصة للأطفال والتلاميذ في المراحل العمرية الاولى وعن طريق شخصيات مثل ابوالحروف وخربوط في مسلسل المناهل لتعليم الفصحى لكنها للاسف توقفت ولم تستمر.
وفضلا عن غياب الانتاج المطلوب لتعليم العربية سواء لابنائها ولغير الناطقين بها..هناك واقع شديد المرارة في التعامل مع الفصحى.على الفضائيات فلا عبرة لاي انتهاك للغة والعدوان على القواعد واهانتها بصورة فجة.
ومن سخريات الواقع ان وظيفة المدقق اللغوى تتوارى خجلا ويضرب بها عرض الحائط ..في الوقت الذي نشهد فيه اهتماما كبيرا بمدققي اللهجات المحلية ليس هذا فقط بل ان الممثل او المؤدي يخضع لعمليات معايشة وتدريب على تلك اللهجات سواء الصعيدية اوالخليجية وغيرها ولا يسمح له بخطأ اوتجاوز والا!
ناهيك عن هجران الفصحى في معظم البرامج والحوارات واستسهال العامية..
واذا حدث وتم الزامهم او التوصية بالفصحى تشعر وكان السنة المذيعين والمذيعات معوجة في الوقت الذي تتمدد فيه اللغات الاجنبية على السنتهم والسنتهن وحتى الضيوف ايضا ممن يعتبرون الخلط اللغوي نوعا من الوجاهة ودليلا على تحضر مزعوم وثقافة موهومة!
مع ان اللغة الصحيحة الفصيحة كما يقولون هي رأس مال الإعلامي وكنزه ووقاره وهندامه فإذا أضاعها فقد أضاع رسالته النبيلة.
ومما يزيد الطين بلة كما يقولون هو الاتجاه نحو المحطات الشعبية والقائمة على اللهجات العامية وهي محطات تجد تشجيعا ودعما ويخصص لها الموازنات وغيرها وترددات لبث على موجات الاف ام وهو امر غير متاح لقنوات مهمة..
يحدث هذا رغم تحذيرات وتأكيدات الخبراء على ان التداخل بين العامية والفصحي ليس امرا بريئا وانما هو مقصود لعزل الفصحى وترسيخ النسق الدارج في الكلام والمعاملات.
نحن بحاجة الى اتخاذ خطوات عملية لتعزيز وجود اللغة الصحيحة السليمة على ارض الواقع وكفانا مدحا واجترارا لفنون وجماليات العربية وروعتها قديما.
والله المستعان ..