رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء


من الروافد الجديدة في دنيا الإعلام الموازي ، أوما يسميه البعض الإعلام البديل ظاهرة صحافة المواطن ، التي وظفت منصات وشبكات التواصل لتقديم آلاف القصص الخبرية ورؤي ومشكلات المواطنين ، وإستغلها البعض لترويج بعض الأفكار والأخبار المغلوطة والمضللة والأفكار الشاذة بحثا عن الإثارة وتحقيق السبق وصناعة التيرند، وحصد ملايين المشاهدات ، دون إدراك لحقيقة دورها.

وفي دنيا الإعلام التقليدي عرفت صحافة المواطن بين أهل المهنة ،بأنها الصحافة الإنسانية التي تدرك رسالتها وتنحاز لهموم وأوجاع الناس وكانت نبضا حيا لتطلعاتهم وهمزة الوصل مع المسئولين ،ومع ظهور العصر الرقمي بحلوه ومره ،وتراجع بعض المؤسسات الصحفية والخاصة، عن أداء مهامها، بدأ البعض في البحث عن البديل ،وظهر مفهوم جديد لصحافة المواطن، عن طريق بعض الهواة والمدونين ،ركب الموجه بعض المغرضين والمرجفين.

وقد أصبحت وأمست صحافة المواطن واقعا ملموسا في دنيا الإعلام ، ولها دور كبير كوسيلة تواصل أفادت الكثير من المواقع الإليكترونية الناشئة ، كمصدر أولي للحدث والمعلومة، وأثرت منصات التواصل ومختلف الصفحات بالأحداث بالتعليقات والصور والمشاركات، وأصبحت رافدا مهما من روافد ومصادر الصحف ووسائل الإعلام الجديدة ، لكن خبراء الإعلام وأهل المهنة يتخوفون من مضارها ،وما قد تسببه من متاعب ومشكلات ،وقد تصبح آفة تهدد النسق المجتمعي وتضعف الرسائل القيمية الهادفة، أومنبرا خصبا للمغرضين وترويج الشائعات، وبث معلومات غير دقيقة تضر بالأمن القومي.

ولذا يجب علي مؤسسات الإعلام الرسمية بحث أسباب ونشأة وتطور ما يعرف بصحافة المواطن ،وورصد سلبياتها وإيجابياتها وتحديد ما إذا كانت إضافة حقيقية لدنيا الإعلام وأيضا إعداد تصورات شاملة لترشيدها و الإستفادة من بعض الكوادار والمواهب العاملين بها.

وتحت غطاء مواكبة روح العصر وحرية الرأي و الإبداع تجاوزت هذه"الميديا" الجديدة وتلك المنصات ،وتسبب في مآسي أخلاقية عديدة بعد نشر أخبار وصور وفيديوهات تخدش الحياء ، وتخترق خصوصية الأسر والعلاقات الزوجية، وأحدثت مشكلات إجتماعية كثيرة.

ومن أمثلة تجاوزات صحافة المواطن النشر المتعجل وبث معلومات مضلله دون تيقن ، ودون الإستناد لبيانات رسمية ، فمنذ عدة شهور تناقل مدونون أخبارا عن تفجيرات كبيرة لعدد من الإرهابيين بمنطقة فيصل والهرم ، ثم اتضح أنها مجرد تفجير لعقار فيصل المخالف الذي اشتعل في حريق هائل بأحد مصانع الأحذية غير المرخصة، وأصبح مصدر خطر يهدد أرواح السكان، وقد احدث نشر هذه الأخبار الكاذبة بلبلة ولغطا وجدلا واسعا ،رغم إعلان مديرية أمن الجيزة موعد تفجير العقار لإتخاذ الإحتياطات اللازمة!.

ولعل النموذج الأسوء لتجاوزات هذه إعلام المواطن الجامح معالجة بعض المواقع الخاصة والبلوليجرز واليوتيوبرز قضية جريمة القتل البشعة التي اقترفها مدمن مخدرات بالإسماعيلية، والتي انتشرت صورها وفيديوهاتها علي مختلف شبكات ومواقع التواصل بصورة مبالغ فيها دون مراعاة للضوابط الشرعية والأخلاقية، التي تجرم وتحرم مثل هذه التصرفات ،وبدأ بعدها فاصل من التراشق الإجتماعي ، والسباب.

حتي صدر قرار بحظر النشر.

ومن ثم يطالب خبراء علم النفس والإجتماع بوضع إطار قانوني لضبط ممارسات صحافة المواطن، ومراقبتها وتقوبم وتقييم ماتقدمه هذه المنصات من مواد تسلية ،ومواد إعلامية ودرامية وإعلانية ، وترفيهية وتحليل مضمونها ورصد إتجاهاتها ، وتقنين إدراتها وفرض رسوم وضرائب علي المتربحين منها في إطار الحفاظ علي كيان وتماسك المجتمع، وحقه في المعرفة والوعي والحماية ، قبل أن نصل لمرحلة الفوضي والإنفلات !.

وأيضا هناك نوع آخر من صحافة المواطن ،فرغم إنحسار الصحافة الورقية ،لا تزال هناك بقايا لصحافة بئر السلم، تقدم سمومها ورقيا وإليكترونيا ، ويمارسها بعض الهواة ودخلاء المهنة ، ويمولها بعض أرباب المصالح ،وأيضا تشكل تهديد لعرش صاحبة الجلالة ،التي تواجه متغيرات عديدة وتحديات جمة.

وفي تصوري أن صحافة المواطن تشكل خطرا داهما علي مهنة الصحافة التي تتطلب دراية علمية ومهنية وأخلاقية، وضوابط قانونية ،ولابد من محاصرة مافيا الصحافة الوهمية التي تبيع الوهم بكارنيهات مزورة منسوبة لنقابة الصحفيين لتسهيل مهام مزاولة المهنة ،وإصدار صحف بدون ترخيص ومواقع غير قانونية تمارس نشاطها المشبوه الذي يدمر صناعة الصحافة وتشوه مصداقيتها لدي الشارع ،وكلها أفعال وممارسات مجرمة قانونا.

ووفقا لمتطلبات العصر أتصور أن أهم مهام ووظائف الصحافة المتزنه ، سد فجوات الإعلام البديل وكشف الحقائق، ومحاربة الفساد والمفسدين، والصدق ،والإقناع بالحجج المنطقية والعاطفية علاوة علي التوجيه والإرشاد وإحترام عقلية المواطنين.

وأيضا النقد البناء ،وتوازن عناصر الرسائل الإعلامية ،ودعم الإطر القيمية ،تنوير الرأي العام ،وبناء وتربيةالوعي الوطني ،وتعميق روح الإنتماء والتضامن الإجتماعي.

والأهم تدعيم الهوية المصرية الأصيلة ،وتثبيت أركان الدولة،وتطوير لغة الخطاب الإعلامي ، التعبير الصادق عن هموم الناس ، ودعم مشروعات التنمية المستدامة ،والبعد عن التضليل والتزييف والتلوين.. وغيرها.

إنها مهام نبيلة وسامية وأخلاقية.. ولكن التساؤل يبقي حائرا، هل تلتزم صحافة المواطن بتلك المعايير والضوابط ؟ وهل فكر نواب البرلمان والشوري في سن القوانين التي تضبط إيقاع هذه الشطحات والتجاوزات والتي تلهث وراء الإثارة والتربح ؟!

أتصور أن هذه المهام والأهداف السامية لن تقدمها صحافة المواطن العشوائية ، لكن هناك مؤسسات صحفية قومية عريقة أسهمت في بناء المجتمع وإحتضنت هذه المبتغيات، لذا يجب النهوض بالصحف القومية من جديد وإستعادة مكانتها ولو تدريجيا، وتجاوز عثراتها وعبور المحنة ، والإستفادة القصوي من رصيد الخبرات والكفاءات التي تزخر بها، لمواجهة تحديات عصر الرقمنة ومستجدات دنيا الإعلام الإليكتروني ،ولاشك أن نقطة البداية وتصحيح المسار يبدأ بالتوصيف السليم للأمراض وتحديد المشكلات بدقة،والإعتراف بالأخطاء وتقديم حلول عملية للنهوض بكافة عناصر المنظومة الإعلامية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة