معاً للمستقبل
مداخلات الرئيس السيسي مع الإعلام تحدث بلا شك أثراً إيجابياً في نفوس جمهور المتلقين وصناع الإعلام على السواء؛ فالمشاهدون يشعرون أن الرئيس يهتم بما يقدم للناس، و يتابع بدقة وعن كثب ما يراد توصيله إليهم من رسائل ومحتوى إعلامي يشكل وجدانهم ويصوغ وعيهم ويضعهم في قلب الأحداث..أما الإعلاميون فتزيدهم تلك المداخلات همة وحيوية وحرصاً على تجويد ما يقدمون لجمهورهم كما ينتابهم فخر وفرحة واعتزاز بمتابعة الرئيس لهم واستحسانه لما يصنعون وتقديره لجهودهم وأهمية ما يقدمون للناس وأن عملهم هذا حجر الزاوية في التوعية وتمتين الجبهة الداخلية وإبقائها يقظة صلبة متوحدة في وجه الشائعات والمعلومات المغرضة التي يراد بها التشكيك والهدم وتفكيك وحدة هذه الأمة وتقسيمها وسلب خيراتها.
حديث الرئيس ومداخلاته في البرامج التليفزيونية عن الإعلام ودوره المهم في معركة البناء والبقاء ليس وليد اللحظة ولا هو موقف عابر وإنما هو توجه ثابت يحرص عليه الرئيس منذ حملته الانتخابية الأولى ولا تكاد تمر مناسبة وطنية أو مؤتمرات رئاسية دون أن ينبهنا الرئيس لخطورة الكلمة مسموعة أو مرئية أو مكتوبة في تشكيل وجدان المواطن ووعيه وتبصيره بالحقائق وصياغة منظومة قيمه وأخلاقه ومُثُله العليا؛ فالأجيال الجديدة من الحروب تنطلق بالأساس من اختراق العقول وترويضها تمهيداً لتوظيفها في تحقيق الأهداف المشبوهة والخبيثة.
ويبدو لازماً وضرورياً في سياق كهذا أن يتنبه الإعلاميون لخطورة ما يقدمون للناس، وأن يتوخوا صالح أوطانهم أولا وأن يلتمسوا ما ينفع الناس لا ما يحبه المشاهدون وبينهما بالطبع فارق هائل إن أردنا تقدما للأمام وجنياً للثمار والإنجازات التي لا تكف الدولة عن تشييدها في الجمهورية الجديدة.
ولسنا في حاجة للتذكير بأن التفريط في رسالة الإعلام والانحراف عن غايتها الرشيدة ووقوع البعض في غواية الأهواء والمصالح الضيقة فيلبسون على الناس أمرهم ويدفعون مجتمعه للتخبط والعشوائية والتشويش فذلك معناه توهين المجتمع وجعله بيئة خصبة للشائعات والانقسام والفكر المتطرف ومسالك الشيطان مثلما شهدنا في أعقاب أحداث يناير 2011 التي كادت تدخلنا في نفق الاحتراب الأهلي جراء ما فعله بعض الإعلام وحملة الأقلام من حرق للوطن والزج به في أتون الفتن والخطر لولا أن سبقت عناية الله ونفذت كلمته فجمع القلوب على ثورة 30 يونيو؛ فصححت المسار؛ وأنهت حكم الإخوان واستعادة الدولة من براثن الضياع والفوضى واليأس.
ما من شك أن للكلمة خطورة ما بعدها خطورة؛ فشرف الإنسان هو الكلمة، ومفتاح الجنة في كلمة وقضاء الله هو الكلمة..الكلمة نور..وبعض الكلمات قبور..الكلمة الللينة تفتح مغاليق القلوب وتقضي الحوائج وتأسر القلوب وتشرح الصدور وتذلل الصعاب.
الكلمة أمانة ثقيلة ورسالة مقدسة رفعت القلم مكانة سامية فأقسم الله به في مطلع سورة سماها العلى الحكيم باسمه تشريفاً وتعظيماً؛ تلك الأمانة دائماً ما يطالب الرئيس السيسي أصحابها بأن يراعوا الله فيها ما استطاعوا؛ فأجرها عن الله كبير..وليست الكلمة فقط حروفاً مكتوبة في صحيفة، ولا حروفاً منطوقة تجري على ألسنة المذيعين وضيوفهم بل هي كل قول ينطق به داعية أو مفكر أو نخبة أو ساسة معارضة أو موالاة وكل صاحب تأثير في مواقع التواصل الاجتماعي بشتى صورها ..وما أخطر أثرها في الفضاء المفتوح.
الرأي أيا ما كان صاحبه أمانة أخلاقية..والقلم رسالة قبل أن يكون وظيفة أو أكل عيش ..وإذا كانت القدم تترك أثراً على الأرض كما يقول المثل فإن لسانك يترك أثراً في القلب والعقل والوجدان..ورب كلمة ألقاها صاحبها دون أن يلقي لها بالاً فتحدث تأثيراً مدويًا وربما يهوى بها في النار سبعين خريفاً كما قال سيد الخلق الذي يحضرنى ما قاله رداً على الصحابي معاذ بن جبل الذي قال: "يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أو علَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم".
ما تسطره الأقلام وتذيعه الألسن وسيلة بناء أو هدم للمجتمعات، وهذا ما أكدته أبحاث كثيرة أجراها باحثون غير مسلمين لتؤكد صدق ما جاء به الإسلام بشأن خطورة الكلمة التي أمرنا الله تعالى أن نتخيرها حتى لا نؤذي بها غيرنا فقال تعالى: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى" (البقرة:263) وقال أيضاً :" واجتنبوا قول الزور" (الحج:30)..ولأن الكلمة رسول للقلوب فقد قال الله سبحانه وتعالى في أشرف الأمور وهي الدعوة إليه: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هى أحسن" حتى تحدث الكلمة أثرها الإيجابي في نفوس المخاطبين بها حتى ولو كانوا متجبرين منكرين لدعوته كما في حال فرعون مع دعوة موسى الذي أمره ربه ومعه أخوه هارون بأن يلينا له الكلام بقوله :"اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى" (طه:44،43).
ما نستخلصه من عبارات الوحي القرآني يؤكد بلا شك أن للكلمة الطيبة تأثيراً لا يعادله تأثير، ومن ثم جعلها الله تعالي صدقة لقائلها وما أيسرها من صدقة؛ ومن ثم تقدمت في خطابه تعالى لبني إسرائيل على الصلاة والزكاة وهما من أركان الدين :" وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" (البقرة: 83).
ولم تحظ الكلمة الطيبة بكل هذا الاهتمام من فراغ؛ ذلك أنها تترك في دماغ المتلقي أثراً لا يزول بمرور الوقت؛ هذا بن الناس بعضهم بعضاً فما بالك إذا كانت الكلمة صادرة عن إعلام سريع الانتشار قوي التأثير؛ ومن ثم فقد وجب الحرص على ترك الأثر الطيب في أدمغة ملايين المشاهدين وقلوبهم فلا ندرى أن كلمة طيبة قد تكون سبباً في دخول الجنة.
الكلمة قد تدخل السعادة لقلوب الناس أو تكون سبباً في تعاستهم وشقائهم، والكلمة الخبيثة قد تكون أكثر إيلاماً من العقاب البدني ولذلك قال الله تعالى في شأنها" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ... وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ" (إبراهيم: 25،24).
أما دعاوى بعض الباحثين والمتخصصين بأن العصا والحجارة يمكنها أن تكسر العظام بينما الكلمات لا تؤذي فهى دعاوى باطلة؛ ذلك أن ذكريات التجارب العاطفية السلبية أكثر إيلاماً من نظيرتها المتعلقة بالإيذاء البدني..وهذا ما يدركه الرئيس السيسي بعمق يجعله يطالب الإعلام وأرباب الأقلام والمذيعين بتوخي الدقة والموضوعية فيما يسطرون ويذيعون من أفكار وكلمات تشكل وعي الناس ووجدانهم وتبصرهم بالحقائق وتغرس في الأجيال الجديدة منظومة القيم والأخلاق والمثل العليا الرشيدة .
رفيعة هي منزلة أصحاب القلم والكلمة عند الله والناس؛ لكن أي الأقلام وأي الإعلام يستحق تلك الدرجة الرفيعة وذلك التكريم السامي.. هل يستوي الأخيار والأشرار..هل يستوى المنصفون المخلصون والمغرضون الأفاكون..هل يستوى المعتصمون بالحق الثابتون على المباديء ومن يروجون للباطل ويدعون للزيف والبهتان..من يتحرى الصدق والموضوعية والأمانة المهنية متثبتاً من كل معلومة مهما يكلفه ذلك من مشقة وتعب ومن يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون وينتهكون الميثاق ويشيعون الكذب ويطلقون الشائعات ..من يؤدون أمانة الكلمة ويوفون بعهدهم وقسمهم ويدفعون ضريبة الثبات على الحق ومن يستسهلون التلون والخداع والنفاق ويهادنون الفساد رغباً ورهباً ..هل يستوي من يهدون الناس سواء السبيل ومن يضللونهم ويشغلونهم بالغيبة والنميمة ونهش الأعراض والتجريح واغتيال سمعة الأبرياء والفتن ..من يرسمون لوطن طريقه للمستقبل ويتخيرون له أولوياته الواجبة دون إبطاء ولا ارتجال.
ومن أسف أن أصحاب الأقلام الشريفة والإعلاميين الصادقين ومن يدركون أمانة الكلمة و يقدرون مسئوليتها هم قلة لم تنل رغم ذلك حقها في التكريم في المناسبات المختلفة وما أكثرها..وهو تكريم مستحق لو تعلمون، يخلد ذكراهم بعد رحيلهم حتى لا يتساقطوا من الذاكرة ويطويهم النسيان فلا تعرفهم الأجيال الحاضرة والقادمة خلافاً لما يلقاه أهل الفن والطرب ونجوم الكرة الذي شبعوا شهرة وأموالاً وتكريماً وجوائز بمناسبة ودون مناسبة ..نرجو للتكريم أن يشق حجب الصمت ليعرف طريقه إلى المفكرين وحملة الأقلام وأصحاب الرأي المستنير والساسة ذوي الاستقامة الذين يملكون تأثيراً قوياً في وجدان المجتمع بأفكارهم وآرائهم ومواقفهم ، ناهيك عن دورهم المشهود في حرب الأفكار المنحرفة والإرهاب والفساد وقد لا يسلمون من أذى كل هؤلاء وربما تعرضت حياتهم نفسها للخطر..أفلا يستحقون بعد كل ذلك تكريماً مناسباً يمسح عنهم العناء والمشقة..؟!
الكلمة أمانة كما قال الرئيس السيسي ..وللقلم منزلة عالية بنص القرآن..الأمر الذي يفرض على أصحاب الأقلام والآراء والأفكار أن يحسنوا ما يقدمونه للناس، وأن يتحروا، إذا أردنا الإصلاح، الصدق وصالح الأوطان وما ينفع الناس فهو الذي يمكث في الأرض ويلقى قبولا من رب السماء والأرض ثم يكتب له الذيوع والانتشار ومن ثم التأثير القوي؛ فكل ما يتلفظ به المرء محسوب عليه مكتوب في صحيفة أعماله إما له وإما عليه.."يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً...".
الإعلام المهني الرشيد يزن كل كلمة قبل أن يتفوه بها، وأن يستثمر خطابه لكسب قلوب المخاطبين ما استطاع لذلك سبيلاً، وأن يعلم يقيناً أنه محاسب على كل ما ينطق به " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النور:24)..ويحكي القرآن عن حال أهل الجنة بعد نوالهم رضوان الله تعالى وها هم يتفقدون أحوال من كانوا معهم في الدنيا فلا يرون منهم فلاناً ولا علاناً ثم يطلعون على أهل النار بإجرامهم وسلوكهم في دار الدنيا فيعترفون لهم بأن ما أوردهم مورد الهلاك أنهم لم يكونوا من المصلين ولم يطعموا المسلمين يقول تعالى :" مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ " ..ومن هنا نتبين حقيقة أن من بين أسباب وصولهم لهذا المصير أنهم كانوا يخوضون في الباطل ويطلقون ألسنتهم بالتجريح والطعن والشتم في إخوانهم حتى أتاهم اليقين وحينها لا ينفع ندم ولا تقبل شفاعة ولا معذرة " ولا تنفعهم شفاعة الشافعين" (المدثر48).
وفي النهاية فإن الكلمة سلاح ذو حدين؛ فقد تكون أداة للخير أو الشر ، فرب كلمة طيبة تفتح أبـــواب الرزق ، وتمسح دمعة محزون ، وتسعد قلب مكلوم ، وتــأخذ بيد هؤلاء لطريق السعادة ، ورب كلمـة أخرى يرسلها إنسان أهوج مغرور تسبب الخـراب والدمار وتثير حروبًا طاحنة ويبوء بإثمها في الآخرة.. فطوبى لأصحاب الكلمة الطيبة الذين يرتقون بها لمدارج الخلق الحسن والمكانة العلية في الدنيا والآخرة.