معاً للمستقبل
يبدو طبيعياً في ظل ما يشهده عالمنا من تطور تقني مذهل أن تصبح الشائعة أكثر رواجاً وأشد تأثيراً لاسيما إذا صادفت بيئة مواتية ومجتمعا قابلاً لتصديق ما يلقى إليه من أخبار ومعلومات دون تثبت ولا تحقق..فإذا كان هناك قطاع لا بأس من هذا المجتمع يعاني الأمية بمعناها التقليدي فضلاً على الأمية الرقمية ندرك خطورة ما تحدثه الشائعات في مثل هذا المجتمع.
الحياة صراع مستمر بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..ولا يعدم أهل الشر وسيلة لمحاربة الحق وتعويقه عن بلوغ أهدافه باختلاق شائعات وأكاذيب وترويجها بمهارة تنطلي على كثيرين ليصدوا الناس عن الحق وأهله وليفرقوا جمعهم ويثبطوا عزائمهم ويشيعوا الفاحشة بينهم وهؤلاء فئة موجودة في كل زمان ومكان.
الشائعات خطرها جسيم فهي فتنة والفتنة أكبر من القتل وأشد بنص القرآن الكريم؛ ومن ثم فإن الحذر منها واجب والعمل على درئها فريضة لا يجوز التخلف عنها أو الاستهتار بها؛ وعلى صخرة الوعي الحقيقي والإدراك السليم تتحطم الشائعة أي شائعة في مهدها..وحتى يتحقق ذلك فلابد من تحصين العقل الجمعي بتعليم جيد يصقل الذهن ويمنحه القدرة على الفرز والتمييز والتثبت؛ وإعلام موضوعي محترف يستشعر خطورة الكلمة بشتى صورها ويسعى لنشر الحقائق وصحيح الفكر والمعلومات بحسبانها أقصر الطرق للإقناع والتأثير وليس فقط بنفي الشائعات ومطاردة الأكاذيب.
الشائعة مرض اجتماعي قديم قدم الإنسان نفسه، تعرض لها أنبياء الله أنفسهم ولم تسلم منها دولة على مدى العصور، وتختلف الشائعات بين سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية لكنها تتفق في المقصد والهدف وهو التدمير والتشويه والإرباك وهي شكل من أشكال الحروب النفسية..قد تقوم بها دولة ضد أخرى أو جماعة ضد دولة على غرار ما تفعله جماعة الإخوان الإرهابية، أو يقوم بها حزب ضد آخر..وتكون الشائعات في السلم كما هي في الحرب؛ ذلك أنها نوع من الحرب المستترة التي ربما يفوق تدميرها ما تفعله الحروب العسكرية التقليدية بل ربما حلت محلها لأسباب عديدة؛ فهي أقل كلفة ,وأكثر فتكاً، وهي آخر ما تمخضت عنه فنون الحرب في جيلها الرابع والخامس.
وفي مجتمعاتنا ترصد الحكومات بأجهزتها المختلفة سيلاً منهمرا من الشائعات بصورة يومية؛ تبدأ بالسياسة وتمر بالاقتصاد حتى تصل إلى لقاحات كورونا وملح الطعام ونظام التعليم في المدارس والجامعات..فليس هناك جهة أو منتج أو صناعة إلا وطالته شائعات يعرف مطلقوها كيف يصنعونها بعناية وكيف يسوقونها للناس حتى تحدث تأثيرها المدوي.
اندهاشي ليس من كثرة الشائعات ولا تنوعها بل ممن يتلقونها في مجتمع يفترض أنه متدين بفطرته، ينهاه دينه –أياً كان- عن تصديقها بل ويحرمها ويؤثم مروجها بحسبانها كذباً بواحاً منكراً شرعاً ومذموما عرفاً بل إنها أخطر الكذب وأكثره ظلماً للنفس ولغيره و أشدها تدميراً للعلاقات و اغتيالا لسمعة الأبرياء وإثارة للبلبلة وإحداثاً للفتن بين الأفراد بعضهم بعضاً وبين الدول بعضها بعضاً ؛ ومن ثم فقد عدّها ديننا كبيرة من الكبائر أدناها بهتان عظيم وأعلاها إثم كبير.
الإسلام لم يتوقف عند تحريم الكذب بل نهى عن تلقف الأخبار وترديدها دون تحرٍ أو تثبت مصداقاً لقوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"..ترويج الشائعات خيانة للدين والوطن وظلم للآخرين، والله لا يحب الظالمين، كما أنها إفساد في الأرض حذرنا منه ربنا عز وجل وشدد عقوبتها بقوله" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلَّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض."
الكذب طريق لجنهم لقول رسول الله" إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" وهذا القول يصدق على من يكذب على صديق أو زميل في أمر تافه فما بالنا بمن يخترع خبراً كاذباً يضل أو يدمر مجتمعاً بأكمله أو يصيبه بالإحباط واليأس، أو الذعر والهلع بقصد إفشال الأمم وانهيارها..أتصور أن عقاب من يشيع الشائعات عظيم؛ فالجزاء هنا على قدر التعمد والضرر المترتب على القول والفعل المكذوب.
إن مروجي الشائعات يخالفون أمر ربهم ويعتدون على مجتمعهم ويرتكبون في حقه جريمة نكراء سيسألون عنها وعن كل كلمة قالوها كذباً وافتراءً وروجوا لها بهتاناً وزوراً.. يقول الله تعالى " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" ويقول نبينا الكريم محذراً من خطورة اللسان " وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم"..بل لعل الأخطر من ذلك ما قاله النبي الكريم " الربا اثنان وسبعون باباً أدناها إتيان الرجل أمه وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه".
ما يؤسف له حقاً أن بعض مروجي الشائعات في زماننا ينتمون لجماعات ترفع راية الدين وتتسمى لأهداف سياسية باسمه..وكم من أخبار تبين كذبها ومجافاتها للواقع وكان مصدرها قنوات ومواقع إلكترونية ومنصات إعلامية مغرضة، ناهيك عما تشيعه السوشيال ميديا من أخبار كاذبة تنتشر في المجتمع انتشار النار في الهشيم ..أليس ذلك أبشع صور الإجرام واستغلال الدين.. وكيف لمثل هؤلاء أن يتستروا بالدين أو أن ينتظروا التأييد من نصوصه ؟!
ومهما يكن أثر الشائعات عظيماً فلا سبيل للتخلص منها إلا بإتاحة مزيد من المعلومات الصادقة في وقتها دون تأخير حتى لا يترك المجال للقيل والقال؛ فالشائعات تجد طريقها دائماً إلى المجتمعات التي يفتقد أفرادها الوعي الصحيح ويسودها الجهل والسطحية وغياب العقل؛ وهي بهذا أشد خطراً من الإرهاب ومن العدو الظاهر.
الشائعات لون من النفاق؛ والمنافقون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم العدو الخفي الذي تأمنه على نفسك ثم يأتيك من مأمنك، ويطعنك في ظهرك من قريب، وليس أدل على شدة خطرهم من تسمية القرآن لإحدى سوره باسمهم وهو تحذير صريح بضرورة الحذر منهم "هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون".
ما أحوجنا لتضافر جهود كل المؤسسات؛ تعليمية وثقافية ودينية لتهذيب النفوس وغرس القيم والأخلاق الرفيعة وتوعية المجتمع وتهيئته لرفض كل شائعة والتثبت من كل معلومة وخبر قبل تداوله، جنباً إلى جنب تكذيب الشائعات إعلاميا والرد عليها من الأجهزة المعنية؛ فالشائعة سلاح مدمر وداء عضال يهدم أسراً ويخرب بيوتاً ويقطع علاقات وصداقات ويتهم بسببه أبرياء وتقع به جرائم..الشائعة يصنعها عدو حاقد ويتلقفها منافق فاسق وينشرها جاهل أو مغرض..الشائعة كذبة يطلقها خبيث ماكر ويصدقها أخرق غافل، وينقلها أحمق ناقم ليدمر حياة إنسان ويهدد مصائر أوطان.
للشائعات كما أثبتت الدراسات أخطار عظيمة على الأفراد والجماعات والأسر والمجتمعات فكم من كريم صار بكلمة واحدة عرضة للملام.. وكم من كلمة كاذبة أشعلت نار الفتنة بين أصدقاء، وكم من كذبة فرقت بين أحبة وقطعت أوصال الود بين الصحاب.
الشائعات تشويه للحقائق وبث للخوف في قلوب الضعفاء والقلق في عقول الأقوياء مع ما فيها من تفريق لكلمة المسلمين وشق لصفوفهم وإثارة النزاعات فيما بينهم..الشائعات قد تسبب اضطراباً اقتصاديا وخسائر ضخمة لشركات ومؤسسات ودول ومجتمعات ..وكم من شائعة رفعت أسعار سلعة وألهبت ظهور الفقراء وتسببت في غنى فاحش للتجار الجشعين وعرضت المجتمع لهزات اجتماعية واقتصادية خطيرة.
وتتضاعف خطورة الشائعات في زمن الانفتاح الإعلامي وثورة التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار الأقوال وخداع الصور والفُجْر في الخصومات بلا رادع ولا ضمير ..ومن ثم فإن مروجي الشائعات على خطر عظيم آن لهم أن يدركوا نتيجته عليهم وعلى غيرهم ..ومن ثم أمرنا القرآن بالتثبت من أي نبأ جاء به فاسق، وقال مالك " أعلم أن فساداً عظيماً أن يتكلم الإنسان بكل ما سمع دون تثبت لأنه يسمع الصدق كما يسمع الكذب..وفي الحديث الشريف " بئس مطية الرجل زعموا"أراد به صلى الله عليه وسلم النهي عن التكلم بكلام يسمعه من غيره ولا يعلم صحته.
ولنا في التاريخ دروس وعبر ما أصدق دلالتها ..ولعل أشنع الشائعات التي جرى إطلاقها في زمن النبوة ما يتعلق بحادثة الإفك، التي افتعلها المنافقون ابن سلول وأتباعه، ورددها البعض دون تثبت رغم أنها تمس أشرف الخلق حتى سرت في المجتمع كله فاهتز لها مجتمع المدينة وتأذى منها رسول الله بل لا نبالغ إن قلنا إنها كانت الأشق على نفس النبي الكريم ولم يُمكر بالمسلمين مكرٌ أشد من تلك الشائعة الكاذبة ولولا عناية الله لأكلت الأخضر واليابس بعد أن ظل المجتمع المسلم يصطلي بنارها شهراً كاملاً حتى نزل الوحي ليضع حداً لتلك المحنة الكبرى و يكشف الغمة ويأتي بالبراءة من فوق سبع سماوات لتكون درساً تربوياً هائلا لذلك المجتمع وكل مجتمع يأتي من بعده إلى يوم القيامة..ليتنا نتعظ ونستخلص العبرة حتى نرجع للحق ونبرأ من الباطل ..ونكف عن ترديد الشائعات وتصديقها حتى لا نكون معاول هدم لمجتمعنا..علينا أن نحتكم للعقل والشرع ..فليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال حضر أهله وليس كل من حضر أهله جاء وقته.
توثيق إنجازات الرئيس تستحق أكثر من "كتاب"
أسعدني أن تتصدى جريدة الجمهورية وكتاب الجمهورية لنشر إنجازات الرئيس السيسي في سنوات سبع ؛ استهلتها جريدة الجمهورية التي يرأس تحريرها الزميل عبدالرازق توفيق بتوثيق تلك الإنجازات في مجلد ذهبي صدر خصيصاً لتلك الغاية؛ ليعرف رجل الشارع والأجيال الجديدة حجم الجهد المبذول على الأرض بطول مصر وعرضها لينعم المواطن بحياة يستحقها ويحرص عليها الرئيس ..واليوم تطالعنا سلسلة كتاب الجمهورية التي يرأس تحريرها الزميل عبد النبي الشحات إلى جانب رئاسته لتحرير بوابة الجمهورية أون لاين وجريدة المساء..تطالعنا بكتاب أنيق يوثق إنجازات المبادرة الرئاسية لتطوير الريف المصري تحت عنوان "60 حياة كريمة ..الرئيس يدخل القرية"..الكتاب يطوف بنا في كافة محافظات الجمهورية التي تحولت أرجاؤها لخلايا نحل تعمل بدأب ليل نهار لإنجاز مشروعات خدمية هدفها تحسين حياة أهلنا في القرى وتزويدهم بكل ما يحتاجونه من صرف صحي ومياه نظيفة وكهرباء وغاز طبيعي وخدمات مصرفية ورقمية متطورة وإنشاء وتطوير مدارس وتحديث للقرية لإدخالها عصراً جديداً يتمتع فيه مواطن الريف بجميع المزايا التي ينالها أهل المدن..لتصبح المساواة بين المواطنين هي سمة هذا العصر.. المجلد الذهبي لجريدة الجمهورية و"كتاب الجمهورية" يرويان تجربة نجاح لإرادة شعب ورؤية قائد لا يكف عن الحلم والعمل حتى تكون مصر أد الدنيا..كل التقدير للزميلين القديرين لما يبذلانه من جهد لنشر الإيجابيات وإعطاء كل ذي حق حقه..فمشروع القرن يستحق أكثر من كتاب وأكثر من رؤية..وللنجاح قصص تستحق أن تروى لتطمئن أجيالنا الجديدة أن هناك من يعمل في صمت وأن مصر تتغير للأفضل.