لوجه الله
واضح أن العلاقة الزوجية أصبحت فى حاجة ماسة الى مزيد من "الضبط الشرعى" والوعى الأسرى والاجتماعى لمواجهة الكثير والكثير من تجاوزات الرجال ضد زوجاتهم حيث لا يمر يوم دون وقوع جريمة أسرية نتيجة عدم وعى كثير من الرجال بحقوق وواجبات زوجاتهم، ولذلك يسيئون التعامل معهن ويعتقدون أن الزوجة مجرد خادمة فى بيت الزوجية، ولذلك تتعدد صور العنف ضد الزوجة نتيجة التأخير فى إعداد كوب شاى للزوج أو تجهيز طعام لم يعجب الزوج أو ظهور البيت على صورة لا ترضى الزوج.. الى غير ذلك من الأمور البسيطة التى تغضب الزوج وتدفعه الى التعامل مع زوجته باسلوب لا يليق، ويعاقبها على أمور لم يلزمها بها الشرع خاصة لو كان الزوج من الكسالى الذين يتعاملون فى بيوتهم على أنهم "أسياد" وزوجاتهم خدم لهم.
لذلك ليس غريبا أن تسمع عن حالات طلاق وقعت لأسباب تافهة ترجع لقصور وعى بعض الأزواج وعدم تربيتهم فى بيوتهم على كيفية التعاون بين الزوج وزوجته خاصة لو كانت الزوجة عاملة وعليها أعباء وظيفية خارج البيت.. كما نقرأ ونسمع عن مشكلات زوجية وصلت بالزوجين الى حافة الطلاق بسبب إهانة الزوجة وعدم التعامل معها بالأسلوب اللائق بها كشريكة للرجل فى كل ما يخص الأسرة، وواجبه أن يتعاون معها ويتشاور ويحترم عقلها وإرادتها ولا يكلفها بما لا تستطيع.
**
أزعجتنى تفاصيل جريمة زوج ضد زوجته وتسببه فى قتلها بسبب تأخرها فى إعداد كوب شاى ليلا، ورغم أن هذه حالة فردية تكشف عن غباء هذا الزوج وتهوره غير المبرر.. إلا أن هناك حالات عنف ضد زوجات كثيرات قد وقعت لأسباب تافهة من هذا النوع، وهو الأمر الذى يحتاج مزيدا من الوعى والمواجهة لحماية النساء من عنف رجال لا يقدرون مكانة الزوجة ورسالتها .. كما لا يعرفون شيئا عن تعاليم الدين التى تفرض على الزوج أن يتعامل مع زوجته باحترام وتقدير، وأن يتعاون معها في الأعمال المنزلية، وأن يخدم نفسه بنفسه، كلما استطاع ذلك، وليس فى ذلك تقليل من مكانة الرجل، فقد كان رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه- وهو سيد الرجال فى بيوتهم- يخدم نفسه بنفسه، ويعاون زوجاته فى الأعمال المنزلية، ولا يكلف زوجة منهن بما يشق عليها، وقد ورد فى ذلك نصوص صحيحة لا يتسع المقام لسردها هنا.
للأسف.. بعض الرجال لا يدركون أن العلاقة الزوجية السوية تقوم على الحب والمودة والرحمة والتعاون والعشرة الطيبة، ولا يمكن أن تستقر الحياة الزوجية وتؤتى ثمارها إذا غاب منها الإحترام المتبادل بين الطرفين.. وإذا كان الدين قد ألزم المرأة باحترام زوجها داخل البيت وخارجه والوفاء بحقوقه كاملة.. فقد ألزم الزوج أيضا باحترام زوجته وتقدير مشاعرها والرحمة بها، والتعامل معها برقى وتحضر، والوفاء بحقوقها كاملة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا فى الحديث الصحيح أن "خير الرجال" هم الذين يحترمون زوجاتهم ويتعاونون معهن، ويتعاملون معهن برفق ورحمة، فقال:" خياركم خياركم لنسائهم".
ديننا لا يقر منطق "سى السيد" فى التعامل مع الزوجة، وإذا كان للرجل فى بيته شرعا "حق القوامة" وهو صاحب القرار الأخير بعد أن يتشاور مع أهل بيته من زوجة وأولاد، فلا ينبغى أن يضع الزوج هذه القوامة فى غير محلها ليصبح الآمر الناهى الذى تجب طاعته فى كل شيىء، فهذه الطاعة العمياء يرفضها الشرع، فلا حق للزوج فى قهر زوجته والتعامل معها على أنها خادمة فى بيته، بل حث ديننا العظيم على الحوار والتفاهم والتعاون بين الزوجين فى كل أمر يخص الأسرة.. وحذر من أن يسود العنف البدنى أو النفسى أو اللفظى العلاقة الزوجية تحت أى مبرر، وتوجيهاته تؤكد ضرورة أن يتسلح كل من الزوجين بقيم التسامح والتعاطف والصبر على هفوات الآخر، والتماس الأعذار له، ومحاولة إصلاح ذلك بالحوار والتفاهم، فالعنف من أحد طرفى العلاقة الزوجية لا ينبغى أن يواجه بعنف ممائل، فبيت الزوجية ليس ساحة للعنف والإكراه والإساءة، بل هو بيت للحوار والتفاهم والتعاون وإرساء مبادىء المودة والرحمة.
**
فى حوار سابق سألت العالم والمفكر الأزهرى د.محمد عبد الغنى شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر والأمين العام لبيت العائلة المصرية عن مسئولية الزوجة عن "شغل البيت" فقال: أولا: ديننا فرض على الرجل احترام زوجته، والوفاء بحقوقها كاملة، والتعاون معها فى كل ما ييسر لهما الحياة المعيشية، ومن هنا قال بعض الفقهاء بإلزام الزوج القادر ماديا بتوفير خادمة لزوجته لتيسر عليها الأعمال والواجبات المنزلية.
ويضيف: الإسلام فى تنظيمه للحقوق المتبادلة بين الزوجين وزع الأدوار، فجعل الإنفاق على بيت الزوجية مسؤولية الزوج، فالغالب فى المجتمعات البشرية كلها- وليس المجتمعات العربية وحدها- أن الرجل هو الذى يسعى لكسب قوت الأسرة، والمرأة مطالبة برعاية شئون البيت وتربية الأولاد؛ بما يضمن للحياة الزوجية عيشة هادئة وسعيدة، فإن شاركت المرأة الرجل فى السعى على الرزق- أى إذا خرجت للعمل- فيجب على الرجل ألا يتركها تتحمل العبء وحدها، وعليه أن يشاركها قدر المستطاع لمساعدتها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمثل فى ذلك، فقد سئلت السيدة عائشة عما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصنع فى بيته فأجابت:" كان فى مهنة أهله (تعنى فى خدمة أهله ) فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة"، فهو يخدم نفسه، ويخدم أهله، فيرقع ثوبه ويغسله، ويصلح نعله، ويعجن خبزه، ويحلب شاته، إلى غير ذلك من الأعمال التى كان يفعلها- صلوات الله وسلامه عليه- عن طيب خاطر لنفسه ولأهله، دون ترفع عن شيء منها، مادام فى فعلها الراحة والهناء لأهل بيته .
ولهذا فإن المرأة إذا خرجت إلى العمل لتساعد فى تحسين الأحوال المادية؛ فلا أقل من أن يؤدى الرجل ما يخفف عنها عبء العمل المنزلى، لأن ذلك من حسن المعاشرة التى أوصى بها الله فى كتابه العزيز.
ولذلك يطالب د.شامة كل الرجال بالتخلى عن المفاهيم الخاطئة المتوارثة من عصر الجاهلية الأولى، والتى تدفع بعض الأزواج الى الإساءة لزوجاتهم، والتعامل معهن بغلظة، ويقول: مساعدة الرجل لأهل بيته لا تقلل من هيبته ولا مكانته على الإطلاق، وهناك بعض الأعمال المنزلية مناسبة جدا لطبيعة الرجل.