من الألف إلي الياء
مشاهد إنهيار فكرة ومشروع الإسلام السياسي أصبحت أمرا عبثيا فوضويا وظاهرة تستحق الدراسة والتأمل مع إختلاط الحابل بالنابل وتماهي المعتدلين في تلاليبب المتشددين وطموحات الصعود ،ووهم التمكين.
ومن جديد يتواصل سقوط أحزاب وقوي الإسلام السياسي، بعد الضربة البرلمانية القاسية التي تلقاها حزب العدالة والتنمية الإخواني بالمغرب وحصوله علي نسبة متواضعة لاتزيد عن 3٪ لن تمكنه من تشكيل الحكومة مع إستقالات شبه جماعية لقادة الحزب بعد الفشل في نيل ثقة المغاربة.
ومنذ ما يزيد قليلا عن شهرين وجه قيس بن سعيد صفعة قوية لحركة النهضة وجمد عمل حكومة وبرلمان الإخوان بعد الأداء المتواضع لساسة الحزب وزعيم الحركة راشد الغنوشي وإخوانه، وعجزهم عن إيجاد حلول علمية لمشكلات البلاد المتفاقمة، والخروج من الأزمات الإقتصادية المتتابعة وحالة الشلل الإقتصادي والسياسي التام الذي أصاب البلاد، والفشل في إتخاذ تدابير متوازنة لمواجهة فيروس كورونا وتزايد مشكلات البطالة وغيرها.
وفي عام 2019 شهد السودان سقوط جماعة البشير وإخوان الخرطوم، وكان حصاد التجربة المزيد من تدري الأوضاع الإقتصادية،وتسببت أطراف في تمييع الموقف السوداني تجاه قضية سد النهضة، مما مكن أديس أبابا من المضي قدما في مخططاتها وإتمام الملء الأول والثاني دون إتفاق مع دولتي المصب.
ومن قبل في عام 2013، كان السقوط الأكبر لإخوان مصر بعد الإصرار علي تأزيم الأمور وصناعة فتنة رابعة ودخول البلاد إلي نفق مظلم بعد تغير إستراتيجية المشاركة إلي المغالبة والمناطحة وسوء التقدير لعواقب الأمور.
تساؤلات عديدة تدور رحاها حول أسباب تراجع ثقة الناس في أصحاب الفكرة الدينية بعد أدائهم السياسي المتواضع ، والتخلي المتدرج عن الإعتدال وعن السماحة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن ثم العزلة والكبر،وإنفصالهم التدريجي عن الناس ثم الفصام الوجداني عن المجتمع.
أتصور أن من أهم خطايا معظم أحزاب الإسلام السياسي والجماعات المتأسلمة ، هو ضيق الأفق وغياب الرؤية الراشدة ، وعدم تحديد أهداف آنية وإستراتيجية تتوافق مع طبيعة المرحلة ، علاوة علي الفهم الخاطيء للدين ومفاهيم الحاكمية والإستخلاف وسوء التخطيط والتعاطي السلبي مع الأحداث والمستجدات، إضافة إلي الرغبة الجامحة في الحكم دون دراية وخبرة كافية وتراجع دبلوماسية التواصل الفعال مع الآخر ،و الحفاظ علي غنيمة كسب قلوب وقناعات الناس.
واعتقد أن تفشي هذه الآفات والأمراض المتوارثة لمعظم الحركات الإسلامية السياسية، أقام حواجز مجتمعية عالية ،فجاء السقوط المتتابع.
وفي تصوري أن الخطيئة الكبري كانت نسيان الأهداف السامية والتخلي عن الشعارات والمباديء البراقة التي خطفت عقول الناس وانتزعت تعاطفهم ، ومن ثم بدأ التلون والتغير في المنهج والوسائل والآليات،و فتح خطوط تواصل مع القوي الغربية،وصل أحيانا إلي حد الإستقواء بالخارج والتنسيق الإستخباراتي واللوجستي ، حتي أصبحت معظم هذه الجماعات مطية لتنفيذ مخططات الغرب كدمي العرائس التي تحركها يمنيا ويسار، وفي أي وقت تشاء لتحقيق أهداف وإنجاز إستراتيجيات معدة سلفا لمزيد من تفتيت وتدمير مقدرات الأمة العربية والإسلامية، بل وتدفع كافة التجارب والمشروعات الحضارية الإسلامية لمزيد من التشويه والضعف ومسخ الهوية!.
والنماذج والتجارب المريرة واضحة كالشمس في قارعة النهار ،ولا فرق في هذا السياق المزري بين الجماعات المعتدلة،والمتشددة ..والتجربة الداعشية ودولة طالبان الجديدة في أفغانستان، خير شاهد ودليل علي هذه الإنحراف التاريخي عن معين الفكر الإسلامي الراشد وحكمه العادل وشريعته الوسطية وعقيدته السمحاء.
والحصاد الطبيعي والنتيجة الحتمية لهذه العبث الفكري والخلل الإتجاهي القيمي، تشويه فكرة الدولة الإسلامية والقضاء عليها في مهدها حتي إشعار آخر!.
وقد يري البعض أن القوي الظاهرة والخفية وأرباب النفعية ولعبة المصالح الدولية ،علاوة علي كافة المتغيرات ، ساهمت في وأد الفكرة ومحاصرة كل إنجاز أو محاولة لصنع إنجاز وتقويض مساعي وإجتهادات الأحزاب والفرق الإسلامية.
لكن ممارسات الواقع تؤكد أنهم يمهدون الطريق،و بأيديهم لا بأيدي عمرو، تأتي الكوارث والمصائب والضربات المتلاحقة!.
وتبقي التساؤلات حائرة حتي إشعار آخر..
هل حقا أدركت الشعوب العربية مخاطر وصول الإسلاميين إلي الحكم ، أم تغيرت قواعد اللعبة الأممية وبدأ الغرب في الإستغناء تدريجيا عن القوي الإسلامية "النموذج المعتدل" ، بعد أن أحكم سيطرته علي الجماعات المتشددة أوبمعني أدق قوي الإرهاب التي ساهم في صنعها، لتنفيذ أغراض الفوضي الخلاقة وتغيير خريطة الشرق الأوسط.؟!
وهل فقدت هذه الأحزاب والحركات المسماه خطأ بالإسلامية، مصداقيتها وقدرتها علي تحمل المسئولية وإدارة حكم دولة بالمشاركة الفعالة والإنسجام مع القوي الوطنية الأخري ؟!
هل انتهي دورها.. وتلاشت فرصها للعودة للحياة السياسية من جديد ؟!
الإجابة بنعم قد تكون هي الفيصل ، أو ربما تأتي الأيام بجديد بعد أن تستوعب هذه التيارات دروس الماضي الحاضر.
ومن وجهة النظر الغربية تنبأ كثيرون ومنهم المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما بسقوط مشروع الإسلامي السياسي اعتبارا من هجمات سبتمبر 2001، وكأنهم لايتمنون رؤيته إلا في هذه الثياب القبيحة المتشددة، ولكن تبقي الحقيقة المرة أن المشروع انهار لأنه خالف المنهج القويم وافتقد الهدف وتقاذفته أنواء الدنيا وأهواء الطامعين!