لوجه الله
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
وهذه الصدقة الجارية التى يتقدم أجرها وفضلها الأعمال التى تعود بالنفع على الإنسان فى حياته وبعد رحيله من هذه الدنيا؛ يحتاجها الأثرياء أكثر مما يحتاجها الفقراء، فعطاؤها لهم دائم، وثوابها جزيل، ومعينها لا ينضب، ومجالات الانفاق فيها الآن أكثر مما تحصى.. فهل يعيد كل قادر ماديا حساباته، وينظر لآخرته أكثر ما ينظر لدنياه، ويعمل ما يعود عليه بالنفع "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".
والصدقة الجارية- كما عرفها العلماء- هى الصدقة التى يفعلها الإنسان حال حياته ليستمر نفعها فى حياته وبعد مماته، فهى مثل الوديعة الاستثمارية فى البنك، طالما استمرت الوديعة استمر العائد.. هذا هو حال الصدقة الجارية التى يفعلها الإنسان فى حياته قاصدا الأجر والثواب من الله، وليس التفاخر والتباهى بها بين الناس.
والصدقة الجارية تختلف عن الصدقة التطوعية التى يقدمها الإنسان لفقير أو متعثر أو متسول صاحب حاجة، فقد يتصدق الإنسان على فقير بطعام يأكله، أو ثوب يلبسه، وثواب هذه الصدقة، إن كانت خالصة مقبولة، يستحقه الإنسان ويكتب له في صحيفة عمله، ولا يتجدد هذا الثواب إلا إذا أعاد الإنسان الصدقة مرة ثانية، وعند انتهاء حياته تختم الصحيفة، ولا يكتب له فيها شيء من عمل له.. لكن "الصدقة الجارية" يستمر ثوابها بعد موت الإنسان كأنه حي يقوم بها، وليس شرطا أن تكون هذه الصدقة فى صورة مسجد يصلى فيه الناس، أو بئر ماء يشربون منه كما يعتقد البعض، بل هناك صور كثيرة لمجالات هذه الصدقة، مثل أن يشترى الإنسان بيتا يأوى أسرة فقيرة، أو يساهم بجزء من ماله فى شراء هذا البيت، أو يشترى آلة عمل لفقير توفر له مصدر رزق حلال طيب، أو يوفر فرصة عمل لفقير عاطل، أو يبنى مستشفى يعالج الفقراء ومحدودى الدخل مجانا، وسوف يستمر الأجر والثواب طالما استمر الفقير يستفيد من هذا العمل.
**
لا شك أن مجال الصدقة الجارية الآن متسع جدا، وليس محصورا فى أعمال معينة، فكل من يوفر منفعة حقيقية للفقراء وتستمر هذه المنفعة بعد رحيله من هذه الدنيا، فأجره عليها مستمر إن شاء الله، وهذا أكبر حافز من الخالق سبحانه لهؤلاء الذين رزقهم بالخير الوفير، ليتسابقوا فى هذا المضمار، وكلهم حماس وإصرار على العطاء، فالمال مال الله ونحن مستخلفون قيه، وكل عاقل يدرك أنه لن يحمل شيئا معه من متاع الدنيا عندما يرحل إلا ما قدم من خير بنية صادقة قاصدا الجزاء والعطاء من ربه الكريم.. ولذلك ننتظر أن يكون لكل القادرين ماديا فى مصر عطاء وافر فى ميدان الصدقة الجارية، فكل من يريد أن يعمل لآخرته عليه أن يتسابق فى هذخ الساحة، وقد رأيت فى بعض مستشفيات علاج الأورام التى أقيمت بالجهود الفردية نماذج من الصدقة الجارية عبارة عن غرف مرضى تكفل بعض القادرين بنفقاتها ووضعت أسماؤهم عليها تشجيعا للآخرين بالاقتداء بهم.
وهنا يفرض سؤال نفسه: هل يجوز لإنسان لا يخرج زكاة ماله بانتظام ويهمل فريضة الزكاة أن يخصص بعض ماله كصدقة جارية؟
والإجابة هنا على لسان العالم الأزهرى د.نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الجمهورية الأسبق.. يقول: الزكاة فريضة لا يجوز لمسلم أن يهملها أو يتقاعس فى آدائها.. فهى فريضة عليه مثل الصلاة والصيام والحج.. والصدقة- تطوعية كانت أو جارية- من أعمال البر التى لا يجوز إهمال الزكاة من أجلها، ولذلك لن يستفيد إنسان من صدقة وهو يهمل أو يتقاعس عن أداء فريضة الزكاة، فالفرائض تؤدى أولا.. ثم تأتى من بعدها النوافل أو السنن.
**
نحن فى أمس الحاجة الآن الى نشر الوعى بين الناس ليؤدوا الواجبات الدينية وفق ترتيب الخالق سبحانه وتعالى، لأن الأولويات الشرعية مفقودة فى حياة كثير منا، فهناك من يتصدق ببعض ماله ظنا منه أن ما يخرجه للفقراء أو المتسولين يغنى عن الزكاة المفروضة عليه، وهذا خطأ كبير يقع فيه كثير من الناس، وهؤلاء يجب أن يوجههم العلماء والدعاة الى أن يحرصوا أولا على إخراج زكواتهم لأنها فرضا لازما عليهم، ثم بعد ذلك يتصدقوا لو رغبوا فى ذلك، فعدم إخراج الزكاة يستوجب الحساب والعقاب من الخالق لأن الإنسان هنا فرط فى أداء فريضة مطالب بها شرعا، بينما لو زكى الإنسان ولم يتصدق لا يحاسب، وكل ما فى الأمر أنه حرم نفسه من أجر الصدقة وهو أجر كبير وعظيم.
نحن فى أمس الحاجة الآن الى ضرورة الحرص على فريضة الزكاة، ونشر الوعى بأهميتها بين الناس، لأنها تسهم بشكل كبير فى تحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعى، فالزكاة- فى حالة الوفاء بها على الوجه الصحيح- قادرة على خلق مجتمعات آمنة ومستقرة، تسود فيها مشاعر المحبة والتعاون والتكافل الاجتماعى.. أما الصدقات التطوعية فهى تسهم فى مجتمعات أكثر رحمة وإنسانية، حيث يتزايد أعداد ضحايا الفقر والمرض والبطالة وغيرهم من المحتاجين، وهؤلاء فى حاجة الى عطاء إنسانى دائم ممن أنعم الله عليهم بخيراته، ورزقهم بنعمه، وأصبح من الواجب عليهم دينيا واجتماعيا وأخلاقيا مد يد العون والمساعدة للفئات الأكثر فقرا وحاجة، وما أكثرهم فى عالمنا المعاصر.
**
ما أفضل السباق فى ميادين الخير، لأن هذا ما يعود على الإنسان المعطى بالخير والنفع فى الدنيا والآخرة.. ما أجمل أن نتذكر جميعا أن علينا واجبات دينية وإنسانية حض عليها ديننا ويجب الحرص عليها لإعانة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين،وتوفير سبل العيش الكريم لكل الفقراء والضعفاء.
أصحاب الحاجات فى مجتمعنا الآن كثر، وهم فى أمس الحاجة الى كل صور العطاء الخيرى من زكاة، وصدقات سائلة وجارية، ووقف خيرى، وتسديد ديون الغارمين والغارمات، وغير ذلك.
تسابقوا- أيها القادرون ماديا- فى ميادين العطاء الخيرى فهذا ما ينتظركم وما ينفعكم يوم لا ينفع مال ولا بنون.