من الألف إلي الياء
يبدو أن أزمة قضية سد النهضة ستلقي بظلال سلبية علي الحاضر والمستقبل القريب والبعيد، وهناك من يدفعها للتعقيد ،وربما توظيفها لإشعال أزمات أخري، واللجوء لخيارات إستراتيجية جديدة.
وما يهمنا ماحققته مصر من مكاسب سياسية و دبلوماسية ، لإنهاء الأزمة بالطرق السلمية، بعد جولة العرض علي مجلس الأمن.
وبعيدا عن سير المناقشات وتوجهات الدول المتوقعة سلفا ومساعي البعض من البداية لإبعاد القضية عن أروقة الأمم المتحدة ،اعتقد أن مجلس الأمن سقط في إختبار سد النهضة،من حيث حسم النزاع، وبدرجة "مقبول" من حيث طرح القضية للنقاش ، لكن دون إدانة لتصرفات وإستفزازت أثيوبيا وتقديم حلول واقعية لإنهاء الأزمة ترضي جميع الأطراف!!
والسؤال المهم الذي يلوح في الأفق ويطرحه المصريون،وأهل السودان.. ما هي ضمانات إلتزام أثيوبيا بأي إتفاق بين الدول الثلاث ،وفي إطار زمني محدد، وهل ينجح الإتحاد الأفريقي في القيام بمهامه من جديد بعد أن فشلت المباحثات والمناقشات عبر ما يقترب من عشر سنوات ؟!.
وجاء مشروع القرار العربي لمجلس الأمن ، الذي قدمته تونس واقعيا ومنطقيا، لنزع فتيل الأزمة وإلزام أديس أبابا بالتوقف عن ملء السد وبدء مفاوضات جادة، ومو وفقا لأحد بنود مواثيق الأمم المتحدة ،والذي يقضي بحل النزاعات بين الدول بالتفاوض والطرق السلمية، لكن لا حياة لمن تنادي!!
كل المؤشرات تؤكد أن المنظمة الأممية لن تفلح في تجاوز أول إختبار عملي لإحدي أهم القضايا المتشابكة لمشكلات المياه في الوقت الراهن، وستعيد القضية للإتحاد الإفريقي ،كما كان متوقعا.
كما أن الدول الكبري، أو ما يسمي بدول "الغابة السياسية" الدائمين، بقيادة أمريكا وروسيا والصين مواقفهم معروفه سلفا، وصرحوا بما تحتويه ضمائرهم من قبل، الإتحاد وبالتالي تلاشت احتمالات إحالة القضية برمتها للجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ، فالدول الفاعلة في المجلس أكدت أن مشكلة الخلاف حول سد النهضة هي قضية تنموية وأن الإتحاد الأفريقي هو الإطار المناسب لها.
وفي اعتقادي أن أهم التطورات الإيجابية كانت رسائل القاهرة القوية لجميع الجهات وكسب إحترام العالم ، وعرضت قضيتها بحنكة وحكمة،واستطاعت مع شقيقتها السودان خلق رأي عام دولي مساند وإقناع كافة الأطراف بأن قضية المياه أصبحت قضية مصيرية، ربما تقود الشرق الأوسط والقرن الإفريقي لصراع وأزمات لا حدود لها.
كما فضحت حماقات وسخافات أثيوبيا السياسية وحملاتها لترويج الأكاذيب حول إهدار مصر لمياه النيل، وإنكار الحق التاريخي لدولتي المصب، وإتهامها لمصر والسودان بتضليل مجلس الأمن وأعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة ،بتقديم معلومات مغلوطة حول مسار المفاوضات وبنود الإختلاف والإتفاق.
وقد بذلت الخارجية المصرية جهودا مضنية للحشد الأممي وكسب تأييد ودعم الجامعة العربية، وتدويل قضية السد بعد أن يأست من تعثر المفاوضات وتعنت أديس أبابا، ومواقف الإتحاد الإفريقي المتذبذبه، بكل حمل من مؤشرات للإنسداد والجمود السياسي ،كما كشفت ممارسات أديس أبابا في اختراق قواعد القانون الدولي والإقليمي ومخالفة مواثيق وقرارات الأمم المتحدة.
وقد استبقت أثيوبيا الأحداث وأعلنت أن مصر والسودان اقترفتا خطأ حين صعدت القضية لمجلس الأمن ،وطالبت بالعودة لمفاوضات جديدة تحت رعاية ومظلة الإتحاد الإفريقي، في محاولة للمرواغة والمماطلة وكسب الوقت وفرض الأمر الواقع!.
وبكل وقاحة وبجاحة وإستفزاز كشفت عن سوء السرائر والنوايا الخبيثة، حيث خاطبت مصر وأبلغتها ببدء الملء الثاني رسميا ، قبيل ساعات من إنعقاد مجلس الأمن لبحث الأزمة، في الوقت الذي أنشغلت القاهرة في الحشد الدبلوماسيي ،عبر عشرات اللقاءات مع سفراء الدول وممثلي دول العالم الدائمين بالأمم المتحدة.
كما قدمت الخطاب الأثيوبي المرسل، والذي يتضمن جدول ملء الخزان خلال هذا الصيف، كوثيقة إدانة وقرينة لتجاوزات أديس أبابا!!
وأعتقد أن الخيار الوحيد أمام أثيوبيا الآن وقف أعمال الملء الثاني والعودة لمفاوضات جادة وملزمة، تقدم حلولا موضوعية وعادلة تحقق مصالح جميع الأطراف، أو أن تواصل عنادها وصلفها ، وعندها من حق مصر والسودان اللجوء لحلول وسيناريوهات مغايرة ، وربما تكون موجعة في الوقت المناسب ، وبالطريقة التي تحفظ أمنهما القومي، الذي أصبح جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المائي العربي.
وفي النهاية تبقي الحقيقة المرة ،التي أفقدت الثقة في منظمة الأمم المتحدة، فلا أحد ينتظر من مجلس الأمن الإنصاف والعدل فقد أمست المنظمة الأممية جثة هادمة ،بلا روح لا تحرك ساكنا ولا تسكن متحركا ،إلا بعد فوات الأوان ، وبما يحقق مصالح الدول الكبري.
ولا عجب فقد عرقلت من قبل أمريكا وروسيا والصين إصدار قرار يدين جرائم آبي أحمد في إقليم تيجراي ، وجرائم العدوان الصهيوني علي القدس وغزة ، ولم تتحرك معظم الدول من الأعضاء الدائمين، إلا بعد ضغوط عربية وجهود واتصالات مكثفة من القيادة المصرية.
وتبقي حقيقة أخري أن اللجوء لمجلس الأمن كان خطوة مقصودة للأمام لاستنفاد كافة السبل والوسائل لإنهاء الأزمة سلميا تحت مظلة المجتمع الدولي ،ولن تقبل مصر إلا بمفاوضات جادة ولن تعود عقارب الساعة إلي الوراء ولن تفرط في حقها وحماية أمن شعبها .. وإنا لمنتظرون!!