من أول السطر
إشكالية تطوير المنظومة التعليمية في مصر في مختلف مراحل التعليم العام ، والفني والخاص والجامعي ، أصبحت وأمست قضية قومية كبري من أولويات الدولة في إطار خطة الإصلاح والتطوير والتنمية المجتمعية المستدامة بغية تحقيق نهضة شاملة قياسا علي تجارب دول غربية وآسيوية وعربية حققت نجاحات وقفزات مشهوده،فقد أصبحت مؤشرات ومعايير جودة التعليم من أهم محددات التنمية الشاملة والنهوض ،وتقدم الدول في عالم اليوم.
وقد بذلت الدولة جهودا مضنية في إطار إحداث نقلات نوعية في مختلف المراحل التعليمية، لكن الواقع الذي نعايشه يؤكد أن هناك عقبات ومعوقات تعكر صفو تلك المساعي والطموحات، لغياب التمهيد المجتمعي والتدرج والحوار الداعم للتخطيط الإستراتيجي المتكامل.
كما أن الإصرار علي طرح تصورات معلبة دون نقاش عام لتطوير مرحلة الثانوية العامة ،وطرح أفكار كالثانوية التراكمية وغيرها، ألقت بحالة من الإستياء العام والقلق والضجر لدي مختلف الأسر المصرية ،ولدي المؤسسات التعليمية والقائمين عليها لعدم وضوح الرؤية وثبات التوجهات ، وبطبيعة الحال بين جموع الطلاب المغلوبين علي أمرهم،الذين وجدوا أنفسهم في حيرة وانتظار وتوتر كفئران التجارب المعملية!!
هذا علاوة علي المشكلات التقنية المتعقلة بتعطل شبكة الإنترنت الأرضي ومشكلات العيوب الفنية بالشبكات المغلقة بالمدارس وغياب الدورات التأهيلية والتدريبية للمعلمين علي نظم التدريس والإمتحانات الجديدة ، ففاقد الشيء لا يعطيه !!
وفي تقديري أن أبرز مساويء هذا التعجل غرس حالة من التوجس من فكرة التطوير للتعليم بصفة عامه، وقد كان لزاما أن تسبق محاولات التطوير ، دراسات عديدة لإعداد الطلاب المرحلة الثانوية لتقبل فكرة " التابلت" و"الأوبن بوك" ونمط التعلم المعاصر، الذي ينمي مهارات التفكير الإبداعي.
واعتقد أنه كان من الأجدر تأجيل تطوير امتحانات الثانوية، وإستمرار النظام التقليدي، وامتحانات 'البوكليت' لإنهاء حالة الجدل والترقب، وبدء التطوير بصورة متدرجة ومتصاعدة اعتبارا من مرحلة رياض الأطفال وصولا لمرحلة ماقبل الجامعة.
وأتصور أنه لا أحد من أهل المحروسة ينكر تطوير وإصلاح التعليم ،إلا من ينكر الشمس في قارعة النهار من رمد أو طعم الماء من سقم،
وكلنا يعلم آفة وأمراض التعليم وأنماط التعلم في بلادنا ، القائمة علي المناهج التقليدية والتلقين والحفظ ، والعلاقة المتوترة بين المعلمين وطلاب العلم.
وفي زمن يعج بالمتغيرات، أصبح لزاما إعادة حوكمة النظام التعليمي وضبط الأداء المهني والإداري وربط الوسائل
التعليمية بالنظم التكنولوجيا والتقنيات الحديثة ، وتعميم استراتيجيات التعليم والتدريس المعاصرة كالتعليم التعاوني والذاتي والنشط والمناقشة والحوار وغيرها من الإستراتيجيات التي تعلي من شأن العقل والابتكار واكتساب المهارات، وتوظيف المواهب الخاصة، ونظريات الذكاءات المتعددة التي تفجر وتنمي وتطور الطاقات الذهنية والمهارية والوجدانية للمتعلم.
كما تكشف جوانب التميز والإبداع ،وتحدد ما يناسب الطالب من مجالات وتخصصات علمية أو أدبية ، كمحدد أساسي لاختيار التخصص وتحديد المسار سواء في مجال العلوم الطبيعية أو الإجتماعية او التعليم الفني المهاري.
وفي تقديري أن التطوير الراشد في بلادنا لابد أن يأتي تدريجيا مع التهيئة المجتمعية واختيار التوقيت المناسب والظروف الإجتماعية والمرحلة الملائمة
وأن يتضمن التطوير كافة عناصر المنظومة التعليمية، المنهج ، المعلم ، أساليب التدريس ، والوسائل التعليمية
وأيضا البيئة المدرسية، بما تتضمنه من منشآت وتجهيزات.
ويجب أن تتزامن فكرة التحديث والتطوير مع التواصل الإجتماعي المستمر لرصد العيوب والمشكلات أولا بأول،وفي إطار متكامل، علاوة علي التدريب المتواصل للمعلمين والمديرين والإداريين ، والتقويم القبلي والبعدي لنظم التعلم والامتحانات.
واعتقد آن فكرة التطوير بالترقيع، لن تحقق النجاحات المرجوه ، فمن أعتاد علي نمط التعليم التقليدي بالتلقين ، من الصعب أن يستوعب التغيير بين عشية وضحاها.
والأفضل أن يبدأ التطوير منذ المراحل الأولي قبل التعليم الإبتدائي ، كما بدأته الدولة فعلا، ويتصاعد تدريجيا مع كل سنة دراسية جديدة، حتي تكتمل المنظومة، بنهاية المرحلة الثانوية، ثم إعداد تصورات واستراتيجيات جديده لتطوير التعليم الجامعي، وفقا لإحتياجات سوق العمل الفعلية، وخلق جيل جديد ومبدع يسهم بفعالية في التنمية الشاملة للوطن ..وإنا لمنتظرون!!