من الألف إلي الياء
بعيدا عن حالة الجدل واللغط،و ظروف وملابسات استدعاء الداعية السلفي الشيخ محمد حسين يعقوب للشهادة أمام محكمة أمن الدولة ، ستظل الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة رسالة سامية، لها ضوابط وأسس ومحددات ومنطلقات ومحاذير.
ولا ينال هذا الشرف العظيم والمقام الرفيع، إلا ثلة من عباد الله المخلصين الراشدين،اختصهم لمنفعة وهداية الناس ، بالكلمة الطيبة، والنصيحة الصادقة ، والدعوة لمنهج السماء منهج الخير والحق والعدل، فهم منارات هداية ورشاد وتنوير،لا منابع ضلالة وفتنة وظلام..
هؤلاء لايتلونون ولا يتبدلون ، ولا يعكر صفو قلوبهم ونقاء سريرتهم ،وحيدة منطقهم عرض زائل أومناصب دنيوية أومنافع سياسية..
مصداقا لقوله تعالي (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.(١٠٤-١٠٥) آل عمران.
وأعتقد أنه من واجب كل من يتصدي لحمل لواء الدعوة إلي الله أن يتجنب الكبر والغرور والإستعلاء، وأن يلتزم بالإعتدال والسماحة وميزان الوفاق، وكسب مودة وقلوب الناس، ترفقا بهم، وإحتراما لعقولهم،وأن يصدح بقول الحق ، إذا كان عالما به، دون مراوغة أو مناورة أو هروب ،وصمت لحاجة في نفس (يعقوب)، ولابد أيضا أن يتسلح بعلوم الدين والحياة، وأن يتحلي بالحلم والصبر والصدق والتواضع ،والجدل والحوار بالحسني ، كما أمرنا الله عز وجل علي محمل التعميم..(وقولوا للناس حسنا) ،وغيرها من سجايا وشيم وقيم الإنسانية والوسطية والفطرة السوية، التي أرسي الإسلام دعائمها، وعلمها البشرية قبل أن تظهر مواثيق حرية التعبير وحقوق الإنسان.
وقد صدمنا الشيخ يعقوب الداعية السلفي الشهير مؤخرا بشهادته المتواضعه وبخله وعلمه الضئيل ، أمام محكمة أمن الدولة العليا " طواريء" ، والتي استدعته للشهادة قبل عدة شهور مع الشيخ محمد حسان، في إحدي قضايا تنظيم داعش.
وقد عكست فعاليات شهادته أزمة يعيشها دعاة العصر، حيث غياب الرؤية والفهم الصحيح لمتطلبات العصر، وحالة الإحتقان ، ومدي الفجوة بينهم وبين الناس، والتي تتسع يوما بعد يوم !!
ولا أدري لماذا يتخلي الدعاة عن دورهم ، ويعرضون عن الإدلاء بشهادتهم وتوضيح الحقائق للأمة وللقضاه ولمن يهمه الأمر ، ويتقاعسون حتي يتم ضبطهم وإحضارهم ، تنفيذا للقانون!!
كنا ننتظر من الشيخ يعقوب بيانا للناس وشرحا لصحيح الدين وتوصيفا موضوعيا لفتنة داعش وتفنيدا لأفكارهم الهدامه،وبيان خطايا وشطحات جماعات الإسلام السياسي.
كنت أراها فرصة لتصحيح المفاهيم الخاطئة، للدعوة والتدين والالتزام والحاكمية، والعصيان المدني والخروج علي الحاكم، ومفاهيم "دعاة لاقضاة" التي أطلقها الإخوان أنفسهم في السبعينيات من خلال مرشدهم حسن الهضيبي ، للمراجعات ولتصحيح منهج من انحرفوا عن أدبيات الإخوان وسلكوا طريق العنف والإرهاب، وأيضا توضيح اصطلاحات الولاء والبراء والإستعلاء والتوقف والتبيين والتنظيم الخاص وجماعة المسلمين والقطبيين والشوقيين ،وغيرها من المفاهيم التي ضللت أجيالا، وأفرزت جماعات العنف والإرهاب.
كنت أراها فرصة سانحة، أمام أجهزة ومنصات الإعلام ،وكل الآذان صاغية لتقديم خارطة طريق،ومنهج متكامل لشباب اليوم ولمختلف الأجيال للمراجعة الفقهية الجادة والتصحيح العقيدي ، ومغادرة هذا الصمت و الجمود الذي فتح الطريق ممهدا معبدا أمام قوي الظلام والفكر الجامح المتطرف.
وفي زمن ازدادت فيه الفرقة والنزاعات السياسية،و كثرت فيه الفتن ،وجفت فيه ينابيع الحكمة والهداية ، كنت أتمني أن يمن علينا يعقوب ويرصد دور العلماء وشيوخ الأزهر الأجلاء في تدشين أسس وضوابط الدعوة ، واستيعاب الشباب ، ملامح فقه المواطنه المعاصره ،وتطوير الخطاب الديني لمواجهة مستجدات ومتغيرات العصر.
عفوا .. شيخ يعقوب ،أنت تعلم عقوبة من يتواني عن قول الحق وكتم الشهادة ، وقد حذرنا المولي عز وجل (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) البقرة.. الآية 283
عبثا لم يقدم الشيخ نصحا أو فقها أوعلما،واكتفي بترديد لا أعلم ..لا أدري ..!!
كنت أراها فرصة للدعوة للمصالحة الوطنية، وإحتواء الشباب المغيب والمغرر به، وفتح قنوات اتصال مع مابقي من جماعات إسلامية معتدلة ، ودمجهم في المجتمع. وتقديم النصيحة لجميع شركاء الوطن بالحكمة والحصافة دون تملق وتقريظ أو تجريح وسباب، بعيدا عن هذا التحفظ الممقوت ،وآفة التقوقع والإستعلاء والخصومة الحادة مع المجتمع!
* منذ عدة سنوات قرأت كتابا للدكتور العلامة عبدالرشيد صقر "رحمه الله"حمل عنوان (أشواك في الحقل الإسلامي)، رصد فيها جانبا من أمراض وآفات بعض الإسلاميين والمنتمين لقوي الإسلام السياسي.
ولازلت مقتنعا أن ما مارسه أفراد هؤلاء المارقين عن طريق الحق ،قد أقام حواجز وسدودا بينهم وبين الناس، فقد مارس البعض منهم أدبيات التنمر والسخرية والشماته،والإستعلاء ، وانحرفوا عن الوسطية،و منهج الدعوة المعتدل ، وتعاملوا مع الأحداث بعقلية متحيزة وغير موضوعية ،وبخلفية أيديولوجية وخصومه حاده مع الوطن!!
وبعيدا عن القناعات والأخطاء التي صنعت الفتنة فلن يغفر التاربخ للجماعات الدينية تخليها عن الطريق القويم والحصافة والإعتدال..ولا أحد يمتلك الحق المطلق إلا المولي عز وجل، يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.