من الألف إلي الياء
بعد تحركات مصر الأخيرة لتدويل أزمة سد النهضة والتقدم بشكوي رسمية لمجلس الأمن الدولي وللجمعية العامة للأمم المتحدة، ينتظر المصريون بفارغ الصبر المردودات السياسية العملية، ومدي ما قد يسهم به المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية في إيجاد حل عادل ومنصف يحقق مصالح جميع الأطراف قبل فوات الأوان ؟
لقد ذهب ترامب وجاء بايدن، ولم تحسم أمريكا مواقفها صراحة من قضية سد النهضة، وإستمرار التعنت الأثيوبي ولم تتخذ أية قرارات أوتمارس ضغوطا فعلية لإقرار الحق التاريخي لدولتي المصب ،رغم امتلاكها لأوراق عديدة، ورعايتها للمفاوضات الثلاثية العام الماضي وقناعتها بعدالة الموقف المصري والسوداني وضرورة إيجاد حلول فعالة للإدارة المشتركة لكافة مشروعات السد ،وتحديد أوقات الملء التشغيل،بما لا يضر بمصالح دولتي المصب.
وبعد إعلان فشل المفاوضات وغياب أثيوبيا المتعمد لعرقلة المباحثات،و قبل أن يغادر ترامب مقعده رسميا بعدة أسابيع أكد أن مصر لن يلومها أحد لو أقدمت علي ضرب سد النهضة.!
وقد فسره البعض بمثابة الضوء الأخضر لتوجيه ضربه عسكرية لمنشآت السد قبل بدء عملية الملء الأول ، بينما رأي فريق آخر أنه كان بمثابة الفخ لتوريط مصر وإستنزافها خاصة مع تزامن هذه التصريحات مع توتر الأجواء علي الحدود الغربية، وتزايد تهديدات الميليشيات الإرهابية للأمن القومي المصري.
ثم تراجع الموقف الأمريكي مع قدوم الإدارة الجديدة بقيادة بايدين ، والتي أعلنت صراحة رفضها لفكرة الحل العسكري،لكنها لم تحرك الملف للأمام في أروقة ودهاليز الأمم المتحدة ، بما تملكه من نفوذ ، وخاصة بعد أن شرحت القاهرة موقفها ،وتقدمت بشكوي منذ عدة شهور.
ومن جديد تقدمت مصر مؤخرا لمجلس الأمن بحافظة مستندات لتوثيق أبعاد الأزمة وتطوراتها ونتائج جولات التفاوض لشرح عدالة موقفها وللمطالبة بتدخل المنظمة لحماية أمنها القومي، وفقا للأعراف الدولية ومواثيق الأمم المتحدة.
ولا يزال الدور الأمريكي يشوبه الغموض والتحفظ في ملف السد ، و يتطلب نوعا من التفسير وإزالة ما به من إبهام وضبابية ، خاصة بعد أن رفضت زمنا ، توجيه اللوم والإدانة لاعتداءات وجرائم آبي أحمد ضد بني شعبه بإقليم تيجراي، وحالت مع دولة الصين وآخرين دون صدور قرار لمجلس الأمن في هذا الشأن ،ثم عادت لفرض عقوبات أو بمعني أدق وقف المساعدات الأمريكية لأديس أبابا ، وأعربت عن رفضها لممارسات آبي أحمد التعسفية تجاه الأبرياء والمشردين واللاجئين علي الحدود الإريترية.
ومع زيادة حدة توتر الأجواء بين دولتي المصب مصر والسودان ودولة أثيوبيا المارقة، يلوح في الأفق السؤال من جديد.. هل تستجيب الولايات المتحدة للمطالب المصرية،وتضطلع بدورها المنشود نحو إنهاء الأزمة، وكسب احترام المجتمع الدولي والإتحاد الافريقي ، وتبييض وجه إدارة بايدن بعيدا عن التلون والكيل بمكيالين ،بعدما استجابت لطلب مصر واقنعت إسرائيل بوقف عدوانها الغاشم علي سكان القدس وأهل غزة؟!
وفي تقديري أن ملف سد النهضة سيكون اختبارا عمليا لإدارة بايدن ،لو كانت لديها النية والإرادة الحقيقية ، واعتقد أن تحركات مصر الإستراتيجية العملية لحصار أثيوبيا سياسيا وزيادة نفوذها بالقرن الأفريقي، قد يغير من موقفها المذبذب ودعم المفاوضات والوساطة الجادة قبل فوات الأوان.
هذا علاوة علي الجهود الدبلوماسية المصرية الحثيثة والحشد العربي للضغط علي أثيوبيا، بهدف التوصل لإتفاق عادل وإنهاء الأزمة.
ووفقا لمؤشرات صراعات الشرق الأوسط وغيرها ، نجد أن أمريكا وحلفاءها من دول الغرب، وشركاء المصالح ، يراقبون ويتابعون تطورات الأحداث، وفي لحظة ما ، يتدخلون لاقتناص الغنائم ، وفقا لمصالحهم، وحسبما تقتضيه قواعد اللعبة السياسية الأممية المستهجنة، التي أصبحت قانون العلاقات الدولية في عالم اليوم.
لكننا علي قناعة وثقة بأن مصر "الجديدة" لديها أوراق عديدة لحماية أمنها القومي وإفساد كافة المخططات الأثيوبية الخبيثة .
ومما يدعونا لضرورة الحيطة والحذر علي المستوي الإستراتيجي، أن هناك تقارير تؤكد أن أثيوبيا الدولة الحبيسة لديها تطلعات لأسر المياه والمتاجرة بها وإنشاء بنك لبيع المياه وبالعمله الصعبة،لممارسة الإبتزاز والضغط والمقايضة وتحقيق مصالح غير مشروعة علي حساب دول الجوار.
وأيضا لديها طموحات لامحدودة تتجاوز حدود التنمية، وإنتاج الكهرباء ، ولذا أصرت علي إنشاء هذا السد الضخم وبارتفاع يزيد عن 145مترا، وضغط الفترة الزمنية لملء بحيرة وخزان السد ، وتهدد بإنشاء 100 سد آخر، وأجرت دراسات عملية لإستمطار السحب ، علاوة علي لديها من موارد مائية هائلة ، ولا يحيق المكر السييء إلا بأهله.
وخلاصة القول أن الولايات المتحدة لديها مفاتيح حل وإحتواء الأزمة علي كافة المحاور ، وإنا لمنتظرون!!