لوجه الله
يخطىء من يظن أن تعاليم الدين يمكن أن تقودنا الى الجمود أو التقليد أو تقف فى طريق الابداع أو الابتكار أو التجديد لصناعة حياة طيبة للإنسان كلها رخاء وازدهار وأمن واستقرار.
من يعرف الاسلام جيدا يدرك أنه يقود من يلتزم به ويعمل بتعاليمه ويلتزم بأخلاقياته الى التطوير والابتكار والابداع، فالتجديد فى نظر الإسلام "سنة من سنن الحياة" لا يجوز للمسلمين أن يخالفوها أو يهملوها، فهم ليسوا خارج نطاق الكون الذى خلقه الله، وجعل التغيير فيه هو قانون الوجود.
والإسلام بطبيعته – كما يؤكد كبار العلماء- دين يتماشى مع سنن الحياة، ولا يصادم الفطرة الإنسانية، ومن هنا يشجع الإسلام التجديد المستمر لحركة الحياة والمجتمع من أجل الوصول إلى الأفضل في جميع المجالات.. وقد جاءت الدعوة إلى التجديد الدينى والحضارى واضحة وصريحة في قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
لذلك أتعجب من هؤلاء الذين يهللون لكل كلمة "تجديد" ترد على لسان عالم من العلماء المعاصرين وكأنه جاء بفتح جديد.. أو يتجمدون أمام جملة لمفكر أو باحث إسلامى تحذر من الخلط بين "التجديد والتبديد" فالتجديد والتطوير والتحديث فى أمور الدين والدنيا ليس أمرا عشوائيا، ولا ينطلق من فراغ، وإنما هو تجديد يتوقف على فهم الواقع من أجل الكشف عما فيه من سلبيات للانطلاق من ذلك الى تصحيح الأوضاع، وتمهيد الطريق لإثراء الحياة بالمزيد من الإبداع الذي يضيف جديدا إلى دنيانا المعاصرة في مختلف المجالات.
****
كل من يعرف الإسلام حق المعرفة يدرك أنه لا يقر الجمود الدينى، ويعلم أن مساحة الأحكام المتغيرة فيه أضعاف الثوابت، فقد حث الإسلام على التجديد الفقهى والتجديد الفكرى الإسلامى، ويعتبر ذلك نموذجا لما ينبغى أن يكون عليه التجديد، فمهمة الفقه مواجهة متطلبات الحياة المتجددة، وما دامت المسائل الفقهية غير قطعية فهي قابلة بحكم الشرع للتجديد والتغيير، وهذا التغيير الذي يطرأ على الأحكام الفقهية، التي هي محل اجتهاد شيء طبيعي يتماشى مع تعاليم الإسلام التي تتسم بالتيسير ورفع الحرج، وفضلا عن ذلك فإن هناك مسائل جديدة لم يعرفها علماء الفقه الإسلامي السابقون تتطلب اجتهادا جديدا، وبحثا عميقا لاستنباط الحكم الشرعي الذي ينطبق عليها، فإنزال الفقه على الواقع ضرورة لتطوير الحياة وفق تعاليم وتوجيهات الشريعة الإسلامية.
فى حياتنا المعاصرة عشرات وربما مئات المسائل التي لم يكن لها نظير في العصور السابقة، وهذه بالطبع تستدعي اجتهادا جديدا، وجهودا مضاعفة من العلماء والفقهاء، خاصة وأن هناك تغييرات بالغة الأهمية قد حدثت في حياة الناس، ومطلوب من الفقه الإسلامي أن يلاحق كل هذه التطورات الجديدة، ويستنبط الأحكام الشرعية التي تجعل المسلم مواكبا لعصره غير منعزل عما يحيط به من تطورات.
****
لذلك، فالدعوة إلى تجديد الفقه ليست تخليا عن الدين، ولا خروجا على أحكامه المعلومة من الدين بالضرورة، وإنما تعني إعادة النظر في الموروث الفقهي البشري من ناحية.. ومن ناحية أخرى البحث عن الحلول الإسلامية لما جد ويجد مستقبلا من مسائل جديدة.
يجب أن نعترف بأن كثيرا من الأمور في حياتنا المعاصرة في حاجة ماسة إلى إعادة نظر، وإعادة ترتيب للأوضاع، والأمر يتطلب من العلماء والفقهاء إعطاء مساحة أكبر لفقه الواقع وفقه الأولويات، وهذا كله يتطلب اجتهادات جديدة ومرونة فكرية، وسعة في الأفق، وفهم صحيح للواقع.
****
إذن.. التجديد والتطوير والتحديث مطلب إسلامى فى كل العصور وليس فى هذا العصر فحسب، فقد جاءت الشريعة الإسلامية تحمل مقومات التجديد، لذلك فإن علماء الأمة مطالبون الآن أكثر من أى وقت مضى بإعطاء قضية التجديد الدينى ما تستحق من اهتمام، والتجديد الدينى يعنى تجديد الخطاب الديني، وهذا الأمر ليس بدعة أو فتنة، فتجديد الخطاب الدينى موجود وحاضر طوال تاريخ الإسلام، كل زمن حسب مقتضياته وأدواته، وطبقا لظروفه وأحواله، وذلك ما جعل هذا الدين صالحا لكل زمان ومكان.
علماء الإسلام وفقاؤه يدركون أن مصطلح التجديد ليس له دلالات سلبية إطلاقا، وهو لا يعنى " التفلت " من تكاليف الشرع كلها أو بعضها، أو الأخذ بالشاذ من الأقوال ومخالفة ما استقر عليه العلماء المخلصون، أو أن المراد من التجديد هو الانتقاء من النصوص الشرعية، بما يتفق والأهواء والمصالح الشخصية، أو أن التجديد يشمل الثوابت والمتغيرات.. فكل هذه المفاهيم الخاطئة للتجديد الدينى هى مصدر السمعة السيئة عن التجديد وأهله ودعاته.
لذلك، نعلق آمالا عريضة على علمائنا المعاصرين فى إجلاء المعنى الحقيقى للتجديد، وترجمة ذلك عمليا فى اجتهاداتهم وفتاويهم، وذلك لإجلاء الصورة الحقيقية للدين وتشريعاته التى تواكب كل العصور أولا، ولإزالة اللبس من نفوس المتخوفين من التجديد ثانيا.. فالاجتهاد المنضبط بضوابط الشرع هو الآلية المشروعة التي تساعد المسلم على تطوير حياته ومجتمعه والمشاركة بفاعلية في بناء مستقبل أفضل لنفسه وأسرته ووطنه.
ومبدأ الاجتهاد يعني رفض التقليد الأعمى، ويعني ضرورة إعمال العقل الإنساني، الذي هو أجل نعمة أنعم الله بها على الإنسان، ويعني كذلك رفض الدعوة إلى إغلاق العقول على كل ما هو قديم ومتوارث.. ولا شك أن مرونة الشريعة الإسلامية ووسطيتها تجعلها تتجاوب دائما مع مصالح الناس في كل زمان ومكان، وستظل دائما مصدرا لكل تجديد يعود على المسلمين بالخير، ومباركة لكل تقدم حضاري مادام هناك مجددون يدركون أهمية "الاجتهاد"، ويفهمون الحديث النبوي في تجديد الدين على وجهه الصحيح.