من الألف إلي الياء
قبل عدة سنوات توقع خبراء أستراتيجيون اشتعال صراعات وحروب حول المياه العذبة في مناطق مختلفة بالعالم ،ومن بينها الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ،خاصة مع استمرار ظواهر التغيرات المناخية،والإحتباس الحراري وتباين أحزمة المطر وندرة المياه الجوفية ، وانتشار ظاهرة الفقر المائي وتراجع نصيب الفرد الطبيعي من المياه.
ومن بين ثنايا وتداعيات الأحداث خلال العشر سنوات الأخيرة ، يمكننا القول أن حرب المياه الجديدة، سيكون لها أبعاد استراتيجية عديدة ،وستتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب ، خاصة مع تشابك المصالح والعلاقات الدولية وتنوع أنماط الاستثمار الأممي في عصرنا المعاصر.
ويبدو أن القرن الأفريقي سيشهد صراعا استراتيجيا ، ربما يسهم في تغيير خريطة ومستقبل القارة بأسرها، وعلاقاتها مع شركاء المصالح ،ولابد أن يكون للإتحاد الأفريقي دور فاعل في حل النزاعات وحسم القضايا المتشابكة بالمفاوضات والطرق السليمة، بعيدا عن المواجهات العسكرية المباشرة ، فالحرب ليست نزهة ولها تداعيات خطيرة ،وغير محمودة العواقب.
وفي تقديري أن حرب المياه ستتخذ صورا وأشكالا متعددة وسيكون لها حسابات وترتيبات إقتصادية وسياسية متباينة ، وربما تحمل بين طياتها العديد من المفاجآت ، قد يكون أبرزها إعادة تشكيل التحالفات والعلاقات الأممية بالقارة السوداء، مع الدول الكبري ، ومختلف دول الشراكة والمصالح.
وأيضا ربما تعيد بعض الدول إحياء الأفكار المقترحة القديمة كفكرة توصيل نهر الكونغو بالنيل الأبيض ، والإستفادة من المياه المهدره في المحيط الأطلنطي، وإحياء فكرة قناة جونجلي بجنوب السودان، والتي توقف العمل بها منذ تسعينيات القرن الماضي، للإستفادة بما يزيد عن 5 مليارات متر مكعب تضيع هباء في المستنقعات.
،وهناك أفكار ومقترحات أخري بعقد اتفاقيات مع دول حوض النيل لتطهير وتوسعة المنابع الأساسية لنهر النيل لزيادة حصيلة المياه الوراده من بحيرة تانا وفيكتوريا وألبرت، وغيرها.
وهناك دعوات بعقد شراكات إستراتيجية بدول الحوض وإقامة مشروعات تنموية ومائية وكهربائية..ورب ضارة نافعة!.
وكما توقعنا قبل عدة أيام ، فقد أصابت تحركات مصر الإستراتيجية وتفهمها لتلك الحقائق ، وزيادة نفوذها في القرن الأفريقي أثيوبيا بالقلق والفزع والتوجس، فبدأت مرحلة من الإرتباك السياسي والهذيان والتهديدات، دون تعقل أو إتزان.
وبدأت أديس أبابا (الحبيسة) التفكير مجددا في حلمها القديم بإنشاء قاعدة عسكرية بالبحر الأحمر لتكون موضع قدم لحماية أمنها وتسهيل حركة التجارة التي تعتمد حاليا علي الخط الحديدي (جيبوتي - أديس أبابا) وبنسبة 70% من حجم الواردات والصادرات الأثيوبية.
وتبقي التساؤلات ..هل تفلح مساعي أثيوبيا وتستعيد علاقاتها القديمة مع أريتريا ، خاصة بعدما تردد عن صفقة مشبوهة بينهما علي حساب إقليم تيجراي الذي شهد ملفه كافة صنوف التنكيل وجرائم الحرب والأبادة والتشريد لأهله ، وسط صمت المجتمع الدولي..؟!
أم هل تلجأ أديس أبابا لجيبوتي ، التي تستضيف عدة قواعد عسكرية للولايات المتحدة وبعض الدول الغربية لحماية خطوط التجارة الدولية؟!
وهل ينتقل الصراع من الشرق الأوسط،لدول القرن الأفريقي، وهل تدخل دول عربية أخري حلبة الصراع، لحماية مصالحها الإستراتيجية والإستثمارية..
وهل تتدخل أطراف دولية كروسيا والصين والولايات المتحدة لحسم قضية وأزمة سد النهضة ،وما سيتبعها من صراعات مستقبلية متوقعة، وهل ستضطلع المنظمات الأممية والإقليمية بدورها، ومن يقوي شوكة أديس أبابا في هذا المعترك المتشابك.؟!
اعتقد أن الإجابة الشافية عن هذه التساؤلات ستقدمها الأيام القادمة!!
وعلي الجانب الآخر رغم إستفزازات أثيوبيا المستمرة وتعنتها، تتحلي مصر بالصبر الجميل علي أمل أن تعود أثيوبيا لرشدها وتقبل التفاوض حول الإدارة المشتركة لسد النهضة، لكنها تحركت عمليا وفرضت عليها حصارا، استراتيجيا ودبلوماسيا، وربما تلجأ لسلاح المقاطعة إقتصاديا وسياسيا، أو لحلول بديلة حسبما تري القيادة السياسية.
وتبقي الحقيقة أن مصر فقط تستطيع أن تفرض كلمتها وإرادتها ،وتمتلك النفوذ والمقدرات الفعالة لتغيير المسارات والسيناريوهات والمخططات ،وطرح البدائل وقيادة وتوجيه دفة الأحداث.
وقد أعلنتها مصر صريحة ومدوية بكل اللغات واللهجات السياسية أنها لن تفرط في حقها التاريخي ،ولن تفرط في قطره واحده بمياه النيل ، مهما اتخذت من إجراءات إحترازية لتجنب الآثار والأضرار المباشرة لملء خزان السد !.