من أهم تطلعات وطموحات أبناء القارة السمراء أن يضطلع الإتحاد الأفريقي ،الذي حل بديلا لمنظمة الوحدة الأفريقية بمهمة حل الخلافات السياسية والحدودية بين دول القارة ونزع فتيل الأزمات التي تمهد الطريق لتدخل أطراف أممية تعمل وفقا لأهوائها ومصالحها السياسية والإقتصادية.
وفيما يتعلق بقضية سد النهضة فلايزال دور الإتحاد غائبا عن الحسم والتوصل لحل عادل يحقق مصلحة جميع الأطراف.
وقد أثارت تطورات الأحداث وتداعياتها وتحركات القاهرة الإستراتيجية والدبلوماسية المصرية واستمرار المناورات العسكرية السودانية المصرية، حالة من القلق والترقب لدي أديس أبابا بعد تعاظم النفوذ المصري الإستراتيجي بالقرن الأفريقي !!
ويبدو أن رسائل مصر الإستراتيجية قد أصابت أحباش أديس أبابا بالدوار والإرتباك ، فعادوا من جديد للغة التعنت والإستفزاز والهذيان فقد أعلن آبي أحمد أن بلاده ماضية في تنفيذ مرحلة الملء الثاني،و تعتزم بناء 100سد جديد خلال الفترة القادمة ، في تحد سافر لكافة القوانين والأعراف الدولية المنظمة لإنشاء الأنهار الدولية.
وعلي الفور أعلنت وزارة الخارجية المصرية عن رفضها لهذه التصريحات العنترية التي تنطوي علي تجاوزات وسوء نية وناشدت الأطراف المعنية إيجاد حلول ناجعة للأزمة المتصاعدة.
وفي تقديري أن سياسة الردع الوقائية التي تنتهجها القاهرة ستؤتي ثمارها، وستجنب المنطقة مغبة صراعات جديدة غير محمودة العواقب ، ففي حالات كثيرة مجرد سن السيوف أمام العدو يقتله معنوية ويربك حساباته بدون قتال، وهذا ما تفعله مصر الآن ، بعد أن أفلحت تجربتها من قبل في الملف الليبي أمام الأتراك وبدون نقطة دم واحدة.
وتبقي الحقيقة أنه زمن التحالفات الإستراتيجية والمتغيرات المتلاحقة تواجه القارة الأفريقية تحديات جمة بعد أن اكتوت بنيران العولمة وأحكام النظام العالمي الذي حل موضع الإستعمار القديم بكافة صوره في لباس عصري جديد!!
وحتي كتابة هذه السطور لم يحقق الاتحاد الأفريقي ، دورا ملموسا في إيجاد حلول ناجعة للنزاعات الأفريقية المتنامية بين دول الجوار، ولم ترتق فعالياته لاستيعاب طموحات وآمال شعوب القارة السمراء ، واقتصر دوره علي مجرد الإجتماعات الديكورية ، واتخاذ توصيات ومقترحات لا تحرك ساكنا ،ولا تسكن متحركا رغم الجهود المصرية لتفعيل مهامه، لكنه لا يزال خارج الخدمة مؤقتا.
وقد وضعت أزمة سد النهضة دول الاتحاد في مأزق كبير، وكشفت المستور، باعتبارها أخطر قضية مصيرية ،ربما تعيد تشكيل خريطة حوض النيل سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا ، فهو لا يملك سلطة إلزامية لإخضاع أديس أبابا لصوت العقل والحكمة أو حتي مجرد إقناعها لقبول المفاوضات، والقسمة المنصفه لمياه النيل، والإعتراف بالحق التاريخي لدولتي المصب ،كما هو الحال الإتحاد الأوربي، والذي حقق مفهوم التوحد والتكامل وكافة المصالح الإستراتيجبة المشتركة لأعضائه، ومن يخرج عن هذا السياق ، مصيره العقوبات وتجميد العضوية.
ولذا لم نصدم كثيرا أونصاب بخيبة أمل حين فشلت كافة الجولات التفاوضية حول قضية السد ، برعاية الاتحاد الافريقي ، وآخرها محطة كينساشا بالكونغو.
وحتي الجولة الأخيرة لوزير الخارجية سامح شكري لم تؤت أية ثمار،ولم تفلح في إقناع دول الإتحاد بعدالة موقف دولتي المصب مصر والسودان.
وبرؤية فاحصة للمواقف الأثيوبية عبر كل مراحل التفاوض نلمح تمسكها بالمفاوضات تحت رعاية الإتحاد الأفريقي ورفض الوساطة الدولية ، فهي تعلم ضعف تأثيره، وأنه لن يجبرها علي تغيير مواقفها المتعنتة ،وما تراه لتنفيذ مخططاتها وفرض الأمر الواقع، وإنشاء عدد من السدود لأسر المياه تمهيدا لبيعها والمتاجرة فيها مستقبلا.
وكل الشواهد تؤكد أن أثيوبيا لم تأبه بالاتحاد ،وتعتبره مجرد منظمة ديكورية ، وبدأت فعليا إجراءات الملء الثاني كما أتمت الملء الأول ولم يحاسبها أحد، وتم تجفيف الممر الأوسط بالكامل وبدأت بعض الأعمال التحضيرية على سطحه استعداداً لصب الخرسانة خلال الأيام القادمة، وقد تم فتح بوابتين صغيرتين يومى 14 و 17 أبريل الماضي للتصريف الجزئى للمياه.
وتتصاعد التهديدات الأثيوبي ،ومازال دول الاتحاد في ثبات عميق !!
والسؤال الأهم متي تستفيق دول الإتحاد الإفريقي وتخرج من تبعيتها لدول النفعية و المصالح ، وتتحرر قولا وفعلا ،وتتخذ كافة قرارتها المصيرية دون انتظار إملاءات غربية أو أمريكية.. يسألون متي هو قل عسي أن يكون قريبا ؟!
وفيما يتعلق بأزمة السد فلن يأت الحل إلا بالسواعد الفتية،والإرادة القوية لدولتي المصب.