رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

"لما لحسَ الجربُ شعر سعد ابن أرنبة؛ غطى قرعته بطرحة، وكحل عينيه وخلع نعليه، وعمل شيخ عرب".

هكذا بدأ محمد ناجي روايته العبقرية، بهذه الجمل الساخرة، صانعا منها شَركا، يلتهم القارئ عن رضا حتى النهاية.

رواية محمد ناجي "مقامات عربية" والتي استخدم فيها الإشارة إلى فن المقامات، مفردا للعنوان مساحة من الدلالة تفوق التصور، تتعدد فيها المعاني، وتتنوع فيها الرموز، ساخرًا بها من الحالة والموضوع، ومن الهالة والأكذوبة، مع التلاعب بدلالات الكلمة ووضعها في إطار ساخر منذ البداية حتى النهاية، يسخر فيها من الوجدان، والضمير، والحالة المزاجية، والنفسية، وطريقة التفكير، وعنترية الجبن، والسفاهة والرعونة، الحمق والغباء، والمكر والخديعة، والوفاء والغدر، والأمانة والخيانة.

مستعرضا بخفة ومرونة الأوضاع الشاذة، التي تكون في مجملها حالة تتمتع بعبثية الفكر والتفكير، وعبثية الحرب والسلام، وعبثية الاتفاق والاختلاف، وعبثية الابرام والنقض، وعبثية الآمال واليأس، ومجافاة الواقع والتناغم معه، وعبثية الفخر والبطولة المزيفة، والقوة التي في الضعف والضعف في القوة، والاعتزاز بالفراغ والوهم، ومن صراع اللاشيء وحروب الكلام التي لا تنتهي، ولا تثمن ولا تغني، في سخرية عجيبة لاذعة، مريرة، ماتعة، مرحة، ومضنية مؤلمة، تُدخل السرور من حيث تدخل الحزن، وتُدخل الراحة من حيث تُدخل الأوجاع، وترتع فيها الآمال والألام جيئة وذهابا.

رواية محمد ناجي المدهشة، الساحرة، والباهرة، اللافتة إلى عالم خصب من الأفكار والأحداث، الأحداث التي تتسم بالعظمة والتفاهة فرغم إظهار الأبطال في صورة صناع القرارات الحاسمة، وأصحاب القضايا العظيمة الفاصلة، يتم معالجة ذلك وتناوله في إطار من سفاسف الأمور وصغائر الأفكار وبلاهة أصحابها.

صوت الراوي العليم يعلو على كل صوت، يحدد مسار الأشخاص فيها، ومجريات الأحداث، لا يلتزم فيها بقوانين الزمان والمكان متسلحا بسلاح الرمزية، يعطي الحرية للأبطال في الموت والحياة، لكنه في الواقع يخضع هذه الحرية لإرادته، يتمرد على قوانين الطبيعة ولا يخضع لها، يعلو صوته حيث يريد ويترك الساحة في الرواية لأبطالها اذا ارتفعت اصواتهم وظهرت في الأفق إرادتهم، بخفية يختفي كأنه لم يكن من قبل موجودا، ولم يكن له صوت، حتى تتساءل عن سبب غيابه، ربما تظنه أنه جلس بجوارك يتابع الأحداث ويستمع إلى حوار الأشخاص بنهم كنهمك وشغف كشغفك، ثم إذا به يقفز فجأة ليعلو صوته ويرتفع ويسرد لك الأحداث سردا يجعلك تتنبه إليه ولا ترى غيره، يتخذ من السرد مطية لأفكاره، ويعنون لفصوله بعناوين تمزج بين روح المجموعة القصصية والرواية في تمرد عجيب على التجنيس الأدبي.

الرواية ساخرة بامتياز، ساحرة بامتياز، عميقة الرمزية ومتعددة الدلالات، إلى درجة تدهش القارئ فيعيد القراءة مرات ومرات، يسمع فيها صوت الراوي وصوت الأبطال، يعيش فيها الأحداث وتعيش فيها الأحداث حتى بعد مغادرة الكتاب، يستغرق التأمل فيها عقل القارئ ويسلبه إرادته، فيتحد فورا مع عناصر الرواية حتى يشعر شعورا كاملا أنه هو الرواي، وهو الأبطال، وهو الظل، وهو الصديق، وهو العدو.

ثم لا تنتبه ـ بعد أن أصبحت أنت جزءا من الأحداث ـ إلى لغة الرواية، التي اختلطت فيها العامية بالفصحى، وتناغما فيها على غير عادة منهما، طاعة للساحر العجيب الذي كان يخرج من جعبته الضدين متكاتفين متصاحبين، ويجمع بين الشتيتين بعدما عقدا العزم على التجافي وعدم التلاقي.

وينتهي القارئ من قراءة الرواية لكن، لكن الرواية لا تنتهي من قارئها، تظل تداعب خيال القارئ وعقله، تقيم الحوار مع نفسه، وتديم العلاقة بينها وبينه، تثير فيه غريزة الاستفهام، وتحرك فيه مياه الفكر الراكدة، تنير ظلاما صنعه صمت عقله، وتلح عليه بمعاودة القراءة وتكرار الحالة.

وحين تفيق لا بد أن تتساءل هل هذه رواية أم هي سحر لا شك فيه، وهل محمد ناجي كاتب أم ساحر اختار ميدانه الكلمة القارئ.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة