انتهت الفرصة الأخيرة في مفاوضات سد النهضة، وكان هذا في اوغندا عندما أصر الطرف الاثيوبي على افشال اي امل للتوصل الي حل يلبي مطالب الأطراف الثلاثة ضدون الاضرار بمصالح أي منهم.
ليس بالضرورة ان يكون ضياع الفرصة الأخيرة، المعادل الموضوعي لشن حرب او استخدام القوة العسكرية ضد بلد مثل اثيوبيا، لكنه يعني الاقتراب من الخطوط الحمراء المصرية في المساس بنقطة من حصتها في مياه النيل، وبالتالي يقلل من الخيارات الدبلوماسية لدي الجانب المصري الذي يتمسك بالحلول السلمية والتفاوضية، وربما يذهب بالأزمة الي التدويل حيث الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي، وربما محكمة العدل الدولية.
الثوابت المصرية معلومة جيدا.. وتتلخص في عدم اسقاط اثيوبيا في الفوضى لما له من تداعيات خطيرة على الامن القومي المصري. وإيجاد شكل قانوني معترف به إقليميا ودوليا لإدارة نهر النيل بعيدا عن التجاذبات او الازمات السياسية في اثيوبيا. والتوصل الي اتفاق ملزم وقانوني تحت رعاية منظمات إقليمية ودولية يرعي الحقوق التاريخية لدول المصب من الاستغلال او التلاعب من جانب أطراف داخلية او خارجية.
علي سبيل المثال الجميع يدرك ان ابي احمد رئيس الوزراء الاثيوبي يكرر عبارات عنترية متعلقة بهذا الملف ليس لها أي أساس من الواقع سوي انها محاولة منه لدغدغة مشاعر الاثيوبيين قبيل الانتخابات الاثيوبية في مايو الجاري.. وابي احمد يدرك ان تشدده في ملف ازمة سد النهضة ومناطحته مع دوله في حجم مصر كفيل بآن يمنحه الأفضلية ويحسن صورته امام الناخب الاثيوبي الذي يعاني الامرين من تردي الاوضاع الأمنية والمعيشية الداخلية.
كذلك نجح احمد ان يحول قضية السد الي مشروع قومي طموح يلتف حول كافة أطياف الشعب الاثيوبي على مختلف مشاربهم. ويكفي ان ندرك ان اديس ابابا تدفع مبالغ طائلة على شبكات التواصل الاجتماعي للعب على الشعور الوطني وتصدير سد النهضة باعتبار انه السلاح الذي سيعيد مجد هذا البلد في وجه المستعمرين واداة للتحرر الوطني.
وعلي حسب ما نشرته مصادر صحفية غربية فان الحكومة الاثيوبية خصصت أكثر من 3 مليون دولار (هبة لا ترد من أحد الأطراف العربية) لشن حملة قوية على مواقع السوشيال ميديا لبث الشائعات عن مصر ونشر حقائق مغلوطة عن مياه النيل وإظهار القاهرة كبلد يسعي لتخريب الاقتصاد الاثيوبي ونشر الفوضى عن طريق دعم الأقليات. ويمكن لأي شخص ان يلاحظ حجم الصفحات الاثيوبية التي انتشرت بين ليلة وضحها لا هدف لها سوف انتقاد مصر وسياستها وحكومتها، والتطاول علي حكامها والتشكيك في كل ما تشهده مصر من إنجازات.
الازمة الحقيقية ان مشكلة سد النهضة أصبح يتم التعامل معها في الداخل الاثيوبي على اعتبار انه الورقة الرابحة في الانتخابات المقبلة لبقاء ابي احمد في الحكم بعد ما شهدته البلاد من تردي اقتصادي وصراعات قبلية وعرقية داخلية وحتى مع جيرانها.. ومن اجل الوصول الي هذا الهدف المشكوك فيه يتم تجاوز العديد من الثوابت التاريخية والجغرافية خاصة
ان بيئة الجوار الجغرافي لإثيوبيا، والمتمثلة في منطقة القرن الأفريقي، تجمعها الكثير من المصالح والقضايا ذات الاهتمام المشترك، فلا يمكن عزل الأحداث الأثيوبية عن محيطها الإقليم الذي يضر باستقرار تلك المنطقة الحيوية ويهدد مصالح دول الإقليم، لذا نجد أن هناك توجها متسارعا نحو الوساطة الأفريقية لحل هذا الصراع.
ولعل تلك المساعي نابعة من استشعار البعض بأن ما يحدث في أثيوبيا يُفضي في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب أهلية لا تتحملها البلد او منطقة القرن الافريقي، لان ذلك من شأنه أن يؤجج الصراعات الداخلية في السودان وإريتريا، خاصة في حال طول أمد الأزمة التي تخضع بصورة كبيرة للحسابات العسكرية والتدخلات الخارجية.. هذا ما تخشاه مصر.. ان يسقط القرن الافريقي في الفوضى ولتلك حسابات ومخاطر لا يعلم مداها الا الله.
-------------
استاذ بجامعة حلوان